يظهر من مجريات الأحداث الميدانية في قطاع غزة أن التصعيد الإسرائيلي يتواصل بوتيرة متصاعدة، معتمدًا على استهداف المدنيين بشكل مباشر في مناطق مختلفة من القطاع، بما يعكس سياسة ضغط مزدوجة: إيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا في صفوف الفلسطينيين، وإدامة حالة الانهيار الاجتماعي والإنساني. ففي يوم دموي جديد، استشهد عشرة فلسطينيين وأصيب آخرون بجروح متفاوتة، بينهم ثلاثة من المنتظرين للحصول على مساعدات غذائية، وهو ما يكشف أن الاحتلال يتعمد استهداف الفئات الأكثر هشاشة، في لحظة معيشية مأساوية يعيشها سكان القطاع المحاصر.
دلالة إنسانية خطيرة
المشهد توزّع على جبهات متباعدة من غزة، ما يعكس الطابع الشامل للعملية العسكرية. ففي خان يونس، جنوب القطاع، أدى قصف طائرة مسيرة إسرائيلية إلى استشهاد خمسة فلسطينيين من عائلة واحدة شمال غرب المدينة، وهو استهداف يحمل دلالة إنسانية خطيرة، حيث يفاقم من فقدان عائلات بأكملها، ويترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة. أما في شارع صلاح الدين، وهو شريان حيوي وسط القطاع وممر رئيسي لحركة المدنيين، فقد أدى استهداف الاحتلال تجمعات المواطنين قرب مركز مساعدات إلى استشهاد ثلاثة فلسطينيين آخرين وإصابة أحدهم بجروح.
هذا النوع من الضربات على مواقع توزيع الإغاثة يعكس سلوكًا متكررًا يهدف إلى تقويض أي جهد إنساني لتخفيف معاناة السكان. وفي حي التفاح شمال شرق غزة، أسفر قصف جديد لطائرة مسيرة إسرائيلية عن استشهاد مواطنين وإصابة آخرين بجروح حرجة، في منطقة تُعرف بوجود كثافة سكانية عالية، ما يجعل الضربات أكثر فتكًا.
استهداف مراكز توزيع المساعدات
لم تقتصر الاعتداءات الإسرائيلية على القصف الجوي فقط، بل امتدت لتشمل عمليات نسف وهدم متواصل في أحياء الزيتون شرق مدينة غزة، والصبرة وسط وجنوبها، إلى جانب مخيم جباليا شمال القطاع. هذه العمليات تكرس سياسة “الأرض المحروقة” التي تسعى إلى محو البنية التحتية والمناطق السكنية، لتبقى آثار الدمار شاهدة على استراتيجية تهجير قسري غير معلن، تدفع السكان نحو مزيد من النزوح الجماعي.
هذا التصعيد الإسرائيلي يتقاطع مع أزمة إنسانية متفاقمة، إذ لا يقتصر الأمر على ارتفاع حصيلة الشهداء والجرحى، بل يشمل أيضًا حرمان مئات الآلاف من المدنيين من المساعدات الغذائية والطبية، بسبب استهداف مراكز التوزيع وتعطيل الطرق الحيوية. كما أن تواصل القصف في محيط المستشفيات والمراكز الصحية يزيد من صعوبة الاستجابة لحالات الطوارئ.
خلط الأوراق ميدانيًا
القراءة الأولية لهذه التطورات تشير إلى أن الاحتلال يتعمد خلط الأوراق ميدانيًا: فهو من جهة يوسع من نطاق عملياته العسكرية ليشمل مدن الشمال والجنوب والوسط في آن واحد، ومن جهة أخرى يركز على أهداف ذات طابع إنساني ومدني، في رسالة واضحة بأن الضغوط العسكرية والسياسية لن تتوقف حتى في ظل المساعي الدولية المتواصلة لفرض تهدئة أو إدخال مساعدات عاجلة.
وبذلك فإن الصورة العامة تعكس سياسة إسرائيلية تقوم على تحويل قطاع غزة إلى بيئة طاردة للسكان، مع إبقاء المشهد الإنساني في حالة انهيار دائم، بما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار جديد حول مدى قدرته على حماية المدنيين ووقف استهدافهم الممنهج.






