يُمثّل انقضاء 100 يوم على تشكيل حكومة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي اختباراً مبكراً لمدى قدرة السلطة التنفيذية على تحويل الشعارات التأسيسية إلى مسارات هيكلية مستدامة. فبينما تحاول بغداد تقديم جرد حساب مرحلي يرتكز على المكاسب الفائتة في ملفات الرقابة والمؤسسة العسكرية، تظل هذه المحاولة محاصرة ببيئة سياسية غير مكتملة المعالم، تعيقها كابينة وزارية ناقصة، وتجاذبات إقليمية ممتدة، وفرز معقد لميزان القوة بين الدولة والفصائل المسلحة.
“صولة الفجر”.. استنزاف شبكات الفساد
اتخذت الحكومة من ملف مكافحة الكسب غير المشروع واجهةً لفرض هيبتها السياسية، عبر إطلاق حملة قضائية وأمنية واسعة تحت اسم “صولة الفجر”. واستهدفت العملية توقيف قيادات وشخصيات نافذة بدرجات عليا—كان أبرزها وكيل وزارة النفط—مع التحفظ على أصول مالية ومسترجعات عينية شملت مبالغ ضخمة وكميات من الذهب. وتزامنت هذه التحركات الفردية مع خطوات نحو إحداث تحول مؤسسي، عبر إنشاء حساب مالي موحد لتقييد الأموال المستردة وتسريع أدوات الحوكمة الإلكترونية. ورغم الدعم البرلماني الواضح لهذه الإجراءات، إلا أن نجاحها يظل مرهوناً بالانتقال من ضرب الشبكات المعزولة إلى تفكيك منظومات الفساد التاريخية التي استنزفت نحو تريليوني دولار من الموارد العامة منذ عام 2003.

استحقاق سبتمبر وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية
على الصعيد الأمني، اتخذت بغداد قرارات تنظيمية لافتة شملت حل قيادة العمليات المشتركة وإعادة تفعيل مكتب القائد العام للقوات المسلحة، كجزء من الترتيبات التمهيدية لإنهاء وجود التحالف الدولي. غير أن العقدة الأبرز تكمن في المهلة الصارمة التي حددتها الحكومة بـ 30 سبتمبر/أيلول المقبل كحد أقصى لحصر السلاح بيد الدولة وفك ارتباط الأحزاب بالأجنحة العسكرية. فرغم استجابة بعض الأطراف وتفريغ جزء من العتاد، فإن تمسك فصائل أخرى بسلاحها بدواعي التحولات الإقليمية يضع الحكومة بين خيارين أحلاهما مر: إما الدخول في تصادم سياسي وأمني مباشر، أو تقديم مرونة تفاوضية قد تفرغ المهلة الزمانية من محتواها السيادي.
الغموض الاقتصادي وتقاطعات الإقليم
تزداد مهمة الزيدي تعقيداً في ظل غياب رؤية مالية واضحة؛ إذ يتواصل ارتباك المشهد الاقتصادي مع تأخر إقرار الموازنة العامة وتصاعد أزمات الإنفاق التشغيلي وملف الرواتب. ويتقاطع هذا العجز الداخلي مع ضغوط خارجية حادة فرضتها الاستهدافات المتبادلة والتوترات الإقليمية، مما حدّ من قدرة بغداد على النأي بنفسها تماماً عن الصراعات الجارية أو تأمين أجوائها ومياهها بشكل كامل.
إن تقييم تجربة الـ 100 يوم يشير إلى أن حكومة الزيدي نجحت في إرساء ديناميكية أمنية وقضائية جريئة، لكن الاختبار الحقيقي يتجاوز حدود الضبط الإداري الأول؛ إذ تتوقف استدامة هذه التجربة على مدى قدرتها على تجاوز المهلة المحددة في سبتمبر دون انتكاسة أمنية، وصياغة خطة اقتصادية متماسكة تنتشل البلاد من اقتصاد الكاش والهدير المالي.






