تشهد الضفة الغربية تصعيداً إسرائيلياً ممنهجاً ومتعدّد الأوجه، يتراوح بين الاقتحامات العسكرية الدورية، واعتداءات المستوطنين على القرى والتجمعات البدوية، وصولاً إلى عمليات تجريف الأراضي والتهجير القسري. هذا التصعيد، وإن بدا للوهلة الأولى مجرد امتداد تقليدي لسياسات الاحتلال، إلا أنه يعكس تحولاً عميقاً في طبيعة المواجهة الدائرة، ويكشف عن استراتيجية تهدف إلى إعادة رسم خريطة الوجود الفلسطيني في الضفة بشكل صامت ولكن فعّال.
تكريس النفوذ الاستيطاني
الاقتحامات المتكررة، وآخرها في مدينة نابلس تزامناً مع اقتحام المستوطنين لمقام “قبر يوسف”، لا يمكن فصلها عن سياق سياسي وأمني أوسع، حيث أصبحت تلك الاقتحامات وسيلة لتكريس النفوذ الاستيطاني، تحت غطاء ديني زائف. ففي حين تُروّج الرواية الدينية للمستوطنين بأن الموقع يحوي رفات النبي يوسف، يؤكد علماء الآثار أن الضريح حديث نسبياً، وهو على الأرجح مقام لشيخ مسلم محلي، في إشارة إلى استغلال الدين كأداة شرعنة للاستيطان والاعتداء.
تزامن ذلك مع هجمات منظمة من قبل المستوطنين، مثل ما جرى في بلدة ترمسعيا، حيث أحرقت منشآت زراعية وكُتبت شعارات عنصرية على الجدران، يعكس وجود غطاء أمني وسياسي واضح لهذه الأعمال، إذ تترافق هذه الاعتداءات مع تسهيلات مباشرة من الجيش الإسرائيلي، أو في أقل تقدير، غضّ الطرف عنها. وهو ما أكدته الأمم المتحدة، مشيرة إلى أن عنف المستوطنين بات نمطاً متكرراً، تُمارَس فيه السلطة الإسرائيلية كقوة دعم ضمنية، وليس كجهة رقابة أو ردع.
الأخطر من ذلك، ما يجري في الأغوار الشمالية من تهجير متصاعد للتجمعات البدوية. التقرير الحقوقي الصادر عن منظمة «البيدر» يصف الوضع بـ«التهجير الناعم» و«التطهير الصامت»؛ وهي توصيفات دقيقة تكشف أن الاستهداف لا يتم بالقوة العسكرية فحسب، بل عبر سلسلة من الإجراءات التي تشمل منع الوصول إلى المياه والمراعي، تجريف الأراضي، ترهيب السكان، وهدم البيوت. الهدف الظاهر من هذه الاستراتيجية هو تفريغ المنطقة من سكانها الأصليين لتسهيل السيطرة الإسرائيلية الكاملة عليها، خصوصاً أن الأغوار تُعد من أغنى المناطق بالموارد الطبيعية، وتمثل نحو 30% من مساحة الضفة الغربية.
الضفة ساحة موازية لغزة
البيانات الحكومية الفلسطينية حول عدد الاعتداءات تعزز هذا التصور، حيث شهد شهر يوليو فقط أكثر من 1800 اعتداء في الضفة، بينها مئات نفذها المستوطنون، ما أدى إلى سقوط شهداء وجرحى، وتدمير ممتلكات مدنية. وفي خضم حرب الإبادة في غزة، يبدو أن الضفة تحوّلت إلى ساحة موازية لسياسة “القضم الصامت”، التي تتجنب التصعيد الدولي المباشر، ولكنها لا تقل خطورة من حيث النتائج الاستراتيجية.
في المحصلة، ما يجري في الضفة ليس مجرد اضطرابات أمنية متفرقة، بل هو تنفيذ عملي لخطة إعادة هندسة الوجود الفلسطيني، بإفراغ المناطق الحيوية من سكانها، وتكريس وقائع جديدة على الأرض، بغطاء قانوني وديني مزيف. ومقابل هذا التصعيد، يتزايد غياب المحاسبة الدولية، ما يعمّق الأزمة ويفتح الباب أمام مزيد من الانتهاكات التي قد تتحول إلى أمر واقع يصعب تفكيكه مستقبلاً.




