سجّلت الجزائر خلال الساعات الماضية 29 حريقًا اجتاحت غابات عدة ولايات، في أحدث موجة حرائق تتزامن مع بداية موسم الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وفق ما أعلنته الحماية المدنية الجمعة. تأتي هذه الحرائق في وقت حساس من السنة، حيث تتزايد المخاطر الطبيعية نتيجة الأمطار القليلة والرياح الحارة والجفاف الممتد، مما يجعل أي شرارة صغيرة كافية لتفشي النيران بسرعة هائلة.
وبينما نجحت فرق الإطفاء في إخماد 17 حريقًا بشكل نهائي، لا تزال البؤر الأكثر نشاطًا تتركز في ولاية تيبازة الساحلية غرب العاصمة، حيث تواصل الفرق الميدانية والآليات الأرضية والجوّية جهود السيطرة منذ يوم الخميس. وتظهر هذه المعطيات حجم التحدي الذي تواجهه السلطات، ليس فقط في السيطرة على الحرائق، بل في إدارة الموارد البشرية والمعدات المحدودة التي تتطلب تنسيقًا دقيقًا بين الحماية المدنية، الجيش الوطني الشعبي، وطائرات الإطفاء، لضمان سرعة التدخل وتقليل الخسائر في الأرواح والممتلكات.
وتشير التقديرات إلى أن هذه الحرائق، بسبب كثافتها الجغرافية وتزامنها مع الرياح القوية، قد تمتد بسرعة إلى مناطق أخرى إذا لم يتم تكثيف عمليات الرصد والإطفاء، ما يجعل التنبه المبكر والجاهزية اللوجستية عوامل حاسمة في مواجهة هذا النوع من الكوارث الطبيعية.
انتشار واسع… ومعدات مستنفرة
وتوزعت الحرائق عبر ولايات المدية، تيزي وزو، تلمسان، عين الدفلى، بجاية، الشلف، الجزائر، جيجل، والبليدة، في رقعة جغرافية تعكس — وفق خبراء — هشاشة الغطاء الغابي في البلاد أمام التغيرات المناخية من جهة، وتزايد الضغط البشري من جهة أخرى.
وسخّرت الحماية المدنية 354 عنصرًا و97 شاحنة إطفاء، مدعومةً بفرق من الجيش الوطني الشعبي وطائراته المتخصصة في إخماد الحرائق، بحسب الوكالة الجزائرية الرسمية. ونشرت المصالح المختصة مقاطع تظهر صعوبة التدخل في مناطق وعرة تزامنًا مع رياح قوية وكتل هوائية ساخنة زادت من سرعة انتشار النيران.
المناخ… العامل الأكثر حضورًا
تشير الأرصاد الجوية الجزائرية إلى أن الأسبوع الجاري شهد رياحًا نشطة وارتفاعًا في درجات الحرارة، وهي ظروف يُجمع الخبراء على أنها تخلق “كوكتيلًا مثاليًا” لاشتعال الغابات، خصوصًا في ولايات تتميز بكثافة نباتية مثل تيبازة وبجاية.
لكن هذه الصورة المناخية لا تمنع عودة الجدل السنوي الذي يرافق حرائق الغابات في الجزائر.
هل يوجد “عامل مدبّر”؟ تحليل موضوعي لفرضية مثيرة للجدل
مع كل موجة حرائق كبيرة، يبرز سؤال بسيط ومعقد في آن واحد:
هل نحن أمام ظاهرة طبيعية فقط، أم أن بعض الحرائق تُشعَل بفعل فاعل؟
1. الدوافع المحتملة: من الاقتصاد إلى النزاعات المحلية
ذكرت صحف دولية، من بينها The Independent وLe Monde، في تغطيات سابقة، أن حرائق الغابات في الجزائر قد لا تكون جميعها طبيعية، مشيرة إلى احتمال وجود عامل بشري متعمد وراء اندلاع بعضها. وتشير هذه التغطيات إلى مجموعة من الدوافع المحتملة، تتراوح بين النزاعات حول الأراضي والغابات، إلى استغلال الثغرات القانونية في أنشطة مثل شبكات الفحم الخشبي غير القانونية، وصولاً إلى محاولات توسعة العمران الفوضوي على حساب المساحات الغابية، وأحيانًا أعمال انتقام فردي أو صراعات محلية.
ويكمن الخطر في أن هذه الأنماط من الحرائق المتعمدة، إذا صحت فرضيتها، قد تستغل الهشاشة المؤسسية واللوجستية التي تعاني منها الجزائر، مثل نقص الطائرات المتخصصة، وضعف المسارات داخل الغابات، وبطء أنظمة الإنذار المبكر، ما يجعل من الصعب تحديد المسؤولية أو إثباتها قانونيًا. كما أن اندلاع الحرائق في نقاط متفرقة ومتزامنة يعزز الشعور بأن هناك نمطًا متعمدًا أو مخططًا، وليس مجرد سلسلة من الأحداث العشوائية.
وبينما تركز السلطات الرسمية على العوامل المناخية كسبب رئيسي، يظل جزء من الرأي العام متيقظًا للجانب البشري، ويرى أن هذه الحرائق قد تعكس تقاطعات مصالح محلية واقتصادية وسياسية، تجعل من كل حريق حدثًا ذا أبعاد متعددة، بين الطبيعة والعامل البشري، وبين الإهمال والتعمد.
2. التوقيت وعدد البؤر… مؤشرات تثير أسئلة
اندلاع 29 حريقًا في يوم واحد، وفي ولايات متباعدة، يثير تساؤلات جدية حول مدى عشوائية هذه الحرائق. الخبراء في الغابات يشيرون إلى أن التزامن الزمني بين بعض الحرائق، وتوزعها في مناطق لا تشترك بالضرورة في نفس الظروف المناخية الشديدة، يطرح علامة استفهام حول ما إذا كانت الطبيعة وحدها كافية لتفسير هذا النمط. فعلى سبيل المثال، بينما تشهد ولاية تيبازة رياحًا قوية ودرجات حرارة مرتفعة، فإن بعض البؤر في الداخل أو الغرب سجلت حرائق مماثلة في توقيت قريب رغم عدم وجود نفس ظروف الطقس القاسية، وهو ما يثير الشكوك حول إمكانية وجود عامل بشري مسهم في اندلاعها.
ومع ذلك، يظل الحديث عن “عمل مدبّر” ضمن نطاق الفرضيات فقط، بسبب غياب الأدلة الجنائية المباشرة أو الشهود المؤكدين على أي تدخّل متعمّد. ومن زاوية تحليلية، يمكن القول إن هذا النمط من الانتشار المتزامن يعكس ثغرات في منظومة المراقبة والاستجابة، تجعل من الصعب التفريق بين حرائق طبيعية وعفوية، وبين حرائق قد يشعلها الإنسان، سواء عن قصد أو إهمال. هذا الواقع يزيد من تعقيد مهمة فرق الإطفاء، ويجعل التقارير الرسمية تتخذ حذرًا شديدًا في الإشارة إلى أي أسباب بشرية محتملة، بينما يظل الرأي العام ووسائل التواصل الاجتماعي مسكونًا بالشكوك والتفسيرات المختلفة.
3. ضعف منظومة مكافحة الحرائق… هل يخلق فجوة تُستغل؟
كشف تقرير سابق لمنظمة “غلوبال فورست” عن ثغرات كبيرة في منظومة مكافحة الحرائق بالجزائر، بدءًا من نقص الطائرات المتخصصة في إخماد النيران، مرورًا بغياب المسارات الكافية داخل الغابات التي تسمح لوحدات الإطفاء بالوصول السريع إلى البؤر الساخنة، وصولًا إلى بطء أنظمة الإنذار المبكر التي يفترض أن تحذر السكان والفرق الميدانية من اندلاع الحرائق قبل أن تتسع رقعتها. هذه الهشاشة المؤسسية تجعل من الغابات الجزائرية أكثر عرضة لخطر الحرائق، سواء أكانت طبيعية نتيجة للطقس الحار والجاف، أو بفعل تدخل بشري متعمد. في ظل هذه الظروف، يصبح من السهل على أي جهة أو فرد استغلال ضعف منظومة الحماية لإشعال حرائق يصعب لاحقًا تحديد مصدرها أو إثبات مسؤولية فاعلها، ما يزيد من تعقيد مهمة رجال الإطفاء ويضاعف المخاطر على الأرواح والممتلكات.
المجتمع في الواجهة… ومخاوف من تكرار سيناريو 2021
تثير هذه الحرائق موجة قلق واسعة بين الجزائريين، إذ لا تزال صدمة صيف 2021 عالقة في الذاكرة الجماعية؛ تلك الحرائق التي تحولت إلى مأساة وطنية بعد أن حصدت أرواح عشرات المدنيين والجنود أثناء محاولتهم إنقاذ السكان. ومع كل موجة جديدة من النيران، تعود مشاهد الدخان الكثيف، وصيحات الاستغاثة، والجهود المضنية لرجال الإطفاء لتفرض نفسها على الوعي العام، فتجعل أي حريق — مهما كان محدودًا — حدثًا يوقظ مخاوف الماضي.
وفي الوقت الذي تصر فيه السلطات على أن العوامل المناخية هي السبب الرئيسي لانتشار الحرائق، مستندةً إلى موجات الحر والرياح الجافة التي تضرب شمال البلاد، فإن ذلك لم ينجح في تبديد الشكوك لدى جزء كبير من الرأي العام. فبالنسبة لكثير من الجزائريين، تبدو “البصمة البشرية” حاضرة بدرجات متفاوتة؛ بين الإهمال العفوي الذي قد يحوّل شرارة صغيرة إلى كارثة، وبين فرضيات التعمد التي أصبحت تتكرر كل صيف في النقاشات العامة.
ويستشهد هؤلاء بانتشار الحرائق في نقاط متعددة ومتباعدة، وبشكل متزامن أحيانًا، وهو ما يوحي — بنظرهم — بأن الطبيعة قد لا تكون وحدها المسؤولة، أو على الأقل أن ضعف منظومة الحماية والرقابة يخلق بيئة يمكن أن تستغلها أي جهة أو فرد لإشعال نار يصعب تحديد مصدرها لاحقًا. وبين خطاب رسمي يركز على المناخ، ونقاش شعبي لا يتجاهل العامل البشري، تبقى الحقيقة محصورة في مساحة رمادية لا يمكن كشفها إلا عبر تحقيقات مستقلة وشفافة.
خلاصة: حرائق بين الطبيعة والإنسان… والحقيقة تحتاج إلى تحقيقات أعمق
رغم أن المعطيات الأولية تميل إلى تحميل الطقس الجاف والرياح الساخنة المسؤولية الكبرى في اندلاع الحرائق، يظل سؤال “العمل المدبّر” قائمًا، مدفوعًا بعوامل عدة مثل التوقيت المتزامن لاندلاع النيران، تشتت البؤر المشتعلة، وضعف منظومة المراقبة والرصد المبكر. هذه العناصر تجعل من الصعب الجزم بما إذا كانت الحرائق كلها طبيعية، أم أن جزءًا منها يحمل بصمة بشرية متعمدة أو غير متعمدة، سواء بفعل الإهمال أو دوافع اقتصادية واجتماعية محلية.
وتظل الإجابة النهائية مرهونة بعدة عناصر حاسمة، أهمها تحقيقات جنائية شفافة تكشف المسؤولية، وتقارير خبراء مستقلين يمكنها تحليل أنماط انتشار الحرائق وربطها بالعوامل المناخية والبشرية، إضافة إلى مراقبة جوية وتقنية مستمرة لرصد البؤر الساخنة فور اندلاعها.
إلى أن تتوفر هذه الأدوات والتحليلات، تبقى الجزائر كل صيف أمام معادلة حساسة ومعقدة: كم من الحرائق ناجم عن الطبيعة نفسها، وكم منها يجد جذوره في يد بشرية، مباشرة أو غير مباشرة؟ هذه المعادلة لا تحدد فقط مصير الغابات، بل تكشف أيضًا هشاشة البنية المؤسسية، وتعكس التحديات الكبرى في حماية المواطن والممتلكات، وفي ضمان قدرة الدولة على التصدي للكوارث الطبيعية والبشرية على حد سواء.






