عام كامل انقضى، وما تزال مدينة طولكرم ومخيماها، طولكرم ونور شمس، تعيشان تحت وطأة عدوان إسرائيلي متواصل، يُعد من أطول وأقسى موجات التصعيد التي شهدتها المحافظة في تاريخها الحديث. 365 يومًا من الحصار والاقتحامات شبه اليومية، ومن القتل والاعتقال والهدم والتجريف، حوّلت المكان إلى جغرافيا مثقلة بالجراح، والإنسان إلى هدف دائم لآلة عسكرية لا تعرف التوقف.
لم يكن ما جرى مجرد عمليات أمنية عابرة، بل سياسة ممنهجة استهدفت كسر الإرادة، وتفكيك المخيم، وطمس معالمه، وفرض واقع قسري جديد على الأرض، في مشهد يجسد نموذجًا صارخًا للعقاب الجماعي وانتهاك القانون الدولي الإنساني. وبينما تتراكم الخسائر البشرية والإنسانية والاقتصادية، يواصل أهالي طولكرم صمودهم في مواجهة عدوان مفتوح الزمن، يختبر قدرتهم على البقاء، ويعيد طرح سؤال العدالة الغائبة أمام معاناة لا تزال مستمرة.
حصار كامل على أزقة المخيمين
في مثل هذا اليوم قبل عام، اقتحمت قوات الاحتلال مدينة طولكرم بآلياتها العسكرية من مدخليها الجنوبي والغربي، وجابت شوارعها الرئيسية، وحاصرت مستشفيي الشهيد ثابت ثابت الحكومي والإسراء التخصصي، وأعاقت عمل مركبات الإسعاف وأغلقت مداخلهما.
وجاء ذلك بعد ساعة من قصف طيران الاحتلال مركبة قرب مدخل مخيم نور شمس، ما أسفر عن استشهاد الشابين رامز بسام ضميري (24 عاماً) وإيهاب محمد عطيوي (23 عاماً)، وإصابة ثلاثة مواطنين، لتتوالى بعدها حلقات التصعيد الميداني حتى اليوم. حسب وفا.
لم تغب آليات الاحتلال عن شوارع المدينة ومداخلها، على مدار عام كامل، ولا عن أزقة المخيمين؛ حيث تواصلت الاقتحامات، ونُصبت الحواجز الطيارة، ونُفذت مداهمات للمنازل والمحلات التجارية، وتحقيقات ميدانية مع المواطنين، إلى جانب إغلاق طرق رئيسية، ما حوّل الحياة اليومية إلى مسار دائم من القلق، وقيّد حركة السكان والتجار والطلبة والمرضى.
تهجير قسري لآلاف العائلات
وأسفر العدوان عن استشهاد 14 مواطناً، بينهم طفل وامرأتان، إحداهما كانت حاملاً في شهرها الثامن، إضافة إلى عشرات الإصابات والاعتقالات. وشهد مخيما نور شمس وطولكرم عمليات هدم واسعة النطاق، طالت مئات المباني السكنية بشكل كامل، وألحقت أضراراً جزئية بآلاف أخرى، ضمن سياسة ممنهجة رافقها تجريف واسع للشوارع وتدمير شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، ما أدى إلى تغيير معالم المخيمين جذرياً، في إطار مساعٍ واضحة لطمس بنيتهما الجغرافية والعمرانية.
وأدى العدوان إلى تهجير قسري لأكثر من 5 آلاف عائلة يزيد عدد أفرادها على 25 ألف مواطن، وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن الأطفال يشكّلون نحو 38% من إجمالي النازحين، الذين تفرقوا في القرى والبلدات والضواحي، لجأوا إلى المساجد ومقار الجمعيات والنوادي وقاعات الأفراح في ظروف إنسانية قاسية. وفقا لـ وفا.
وتخلل هذا العام قصف وتفجير وإحراق للمنازل، وإطلاق كثيف للرصاص الحي، واستخدام القنابل الصوتية والغازية، وتحليق مكثف للطائرات المسيّرة، إضافة إلى اعتداءات على المركبات والممتلكات، وحملات اعتقال وتحقيق ميداني متواصلة. ووثق نادي الأسير الفلسطيني نحو 830 حالة اعتقال في محافظة طولكرم خلال العام المنصرم، طالت مختلف الفئات، في سياق عدوان اتسم بالشمولية والعنف المنظم.
تحويل المنازل إلى ثكنات عسكرية
وأكد النادي أن الاحتلال اعتمد سياسة تحويل المنازل إلى ثكنات عسكرية ومراكز تحقيق ميداني، رافقها اعتداءات جسدية وتعذيب وإرهاب ممنهج، وتهديد مباشر للأفراد وعائلاتهم، واستخدام المواطنين دروعاً بشرية، وتنفيذ إعدامات ميدانية، إلى جانب السلب والنهب والتخريب المتعمد، وهدم مئات المنازل، في إطار سياسة محو ممنهجة.
ولم يقتصر العدوان على الجانب الأمني، بل انعكس بعمق على الواقعين الإنساني والاقتصادي، إذ فقدت آلاف العائلات منازلها، فيما حُوّل عدد منها إلى ثكنات عسكرية لأشهر طويلة، ومنع الاحتلال أصحابها من الوصول إليها بالقوة وتحت تهديد السلاح، ولم يُسمح إلا لعدد محدود من المتضررين بالدخول لأخذ بعض مقتنياتهم بشروط قاسية.
وفي المقابل، تراجعت الحركة التجارية بشكل ملحوظ، في ظل تشديد الإجراءات العسكرية على الحواجز الرئيسية، خاصة حاجز عناب شرقاً وبوابة جبارة جنوباً، كما أغلقت المدارس والجامعات، بما فيها مدارس وكالة “الأونروا”، لفترات طويلة خلال الأشهر الأولى من العدوان.
أثار إنسانية واقتصادية بالغة القسوة
مرور عام كامل على هذا العدوان يجسد الترجمة العملية لفكر اليمين الإسرائيلي المتطرف، وإصرار الاحتلال على مواصلة جرائمه دون اكتراث بالقانون الدولي أو النداءات الإنسانية. العدوان خلّف آثاراً إنسانية واقتصادية بالغة القسوة، لا سيما في مخيمي طولكرم ونور شمس، حيث ما زالت آلاف العائلات تعاني من النزوح القسري وفقدان مساكنها ومصادر رزقها، في ظل الإغلاق والحواجز والاقتحامات المتواصلة. حسب محافظ طولكرم عبد الله كميل، في تصريحات نشرتها وفا.
وأكد كميل أن ما يجري في طولكرم يشكل جريمة مكتملة الأركان وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، محمّلاً سلطات الاحتلال المسؤولية الكاملة عن تداعيات هذه الجرائم. مشددًا على أن أبناء المحافظة، رغم قسوة الظروف، سيواصلون صمودهم وثباتهم، مشيداً بتكاتف المؤسسات الرسمية والأهلية واللجان الشعبية والقطاع الخاص، الذين عملوا عبر لجنة الكرامة للإغاثة والإيواء للتخفيف من معاناة المواطنين.







