توسيع القوات الإسرائيلية لعملياتها العسكرية في مدينة غزة يعكس مرحلة جديدة من التصعيد الميداني الذي يستهدف الأحياء المكتظة بالسكان والبنية التحتية المدنية على نحو متزايد. فالمشهد الميداني يكشف عن قصف جوي ومدفعي متواصل يتركز على أحياء التفاح والزرقا شرق المدينة، إلى جانب استخدام وسائل جديدة مثل الروبوتات المفخخة، وهو ما يوضح انتقال العمليات من الاستهداف التقليدي إلى توظيف تكنولوجيا متقدمة في القتال الحضري بهدف إحداث أكبر قدر من الدمار وتقييد حركة الفلسطينيين والمقاومة داخل المدينة.
خطر المجاعة وسوء التغذية
تزامن هذا القصف مع استهداف منازل المدنيين بشكل مباشر، مثلما حدث في منطقة الكرامة غرب غزة حيث استشهد ثلاثة فلسطينيين وأصيب آخرون، ومع ضرب خيام النازحين وسط المدينة، وهو ما يضيف بعداً إنسانياً مأساوياً يكشف عن أن مناطق النزوح التي يفترض أن تكون ملاذاً آمناً أصبحت هدفاً مباشراً للنيران. هذه الضربات طالت أيضاً مناطق الوسط والجنوب التي تستوعب أعداداً كبيرة من النازحين، فيما شهد الشمال قصفاً لمواقع تجمع المدنيين المنتظرين للمساعدات، ما يعكس سياسة ممنهجة لإغلاق كل منافذ الأمان أمام السكان المحاصرين.
في السياق الإنساني، تترافق هذه العمليات مع تحذيرات محلية وأممية متزايدة من خطر المجاعة وسوء التغذية، خاصة مع الحصار الممتد وتعطيل وصول المساعدات. إعلان الجيش الإسرائيلي رسمياً توسيع نطاق عملياته في غزة يعزز المخاوف من أن التصعيد سيؤدي إلى تفاقم الكارثة الإنسانية، إذ أن توسيع العمليات لا يعني فقط زيادة عدد الغارات، بل يترافق عادة مع تشديد أكبر على حركة الإمدادات الإنسانية ومنع وصول المواد الغذائية والدوائية.
استهداف النازحين والمدنيين
حصيلة الضحايا تعكس بدورها حجم الكارثة، حيث أعلن الدفاع المدني في غزة عن استشهاد 42 فلسطينياً على الأقل منذ فجر الأحد بنيران إسرائيلية، بينهم ثمانية في غارة دموية على حي الصبرة بمدينة غزة. هذه الأرقام المتصاعدة تشير إلى أن المدينة مقبلة على مرحلة أكثر دموية مع اقتراب الجيش الإسرائيلي من اجتياحها برياً، في وقت تتعرض فيه كل مناطق القطاع تقريباً من شماله إلى جنوبه لغارات مركزة.
من منظور تحليلي، يمكن القول إن إسرائيل تحاول عبر هذا التصعيد فرض وقائع جديدة على الأرض قبل أي استحقاق سياسي أو تفاوضي محتمل، وذلك عبر تكثيف العمليات العسكرية في مدينة غزة التي تشكل مركز الثقل السكاني والسياسي للقطاع. لكن في المقابل، فإن حجم الخسائر البشرية والدمار الواسع يزيد من الضغوط الدولية، خاصة أن استهداف النازحين والمدنيين بات يحظى بتوثيق واسع ويثير ردود فعل غاضبة في المحافل الدولية.
جرائم حرب ممنهجة
بهذا المعنى، فإن توسيع نطاق العمليات ليس مجرد خطوة عسكرية، بل يمثل اختباراً مزدوجاً: داخلياً من حيث قدرة الفلسطينيين على الصمود في ظل هذه الظروف القاسية، وخارجياً من حيث قدرة المجتمع الدولي على التحرك لوقف ما وصفته منظمات حقوقية بأنه جرائم حرب ممنهجة. وفي ظل استمرار القصف وارتفاع حصيلة الشهداء، يبدو أن الكلفة الإنسانية ستتضاعف في الأيام المقبلة، مع اقتراب سيناريو اجتياح بري واسع لمدينة غزة، ما يفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة في الصراع الدائر.






