تشهد الضفة الغربية، وتحديدًا مخيم نور شمس شرق طولكرم، تصعيدًا غير مسبوق من جانب الاحتلال الإسرائيلي، يُنذر بمزيد من التدهور في الوضع الأمني والإنساني، وسط صمت دولي متصاعد ومجتمع دولي غير قادر – أو غير راغب – في كبح هذا المسار التصعيدي الخطير. عمليات هدم المنازل التي ينفذها الجيش الإسرائيلي ليست مجرد إجراءات أمنية كما يُروَّج لها، بل تدخل في إطار سياسة ممنهجة لتفريغ الأرض من سكانها، وتكريس واقع استيطاني جديد بالقوة.
دلالات شديدة الخطورة
الهدم المستمر، الذي تجاوز الـ20 مبنى خلال أسبوع واحد فقط في مخيم نور شمس، يحمل دلالات شديدة الخطورة. فالمخيمات الفلسطينية، ومنذ نكبة 1948، تمثل رمزًا لحق العودة والوجود الفلسطيني المستمر في وجه محاولات الإلغاء والطمس. استهدافها اليوم ليس فقط استهدافًا للبنية التحتية السكنية، بل لضرب هذا الرمز، وكسر صمود السكان عبر أدوات التهجير القسري المباشر، كما حدث بإخلاء العائلات قبل تفجير منازلها.
اللافت في هذا التصعيد هو اتساع نطاقه جغرافيًا وتكتيكيًا. في الخليل، عمليات تدمير لأشجار الزيتون – التي تشكل شريانًا اقتصاديًا ورمزًا للثبات الفلسطيني – تُنفَّذ من قِبل المستوطنين تحت حماية الجيش. وعندما يُعتقل الضحية بدلاً من المعتدي، كما حدث مع المواطن أحمد جبر النواجعة، فإن ذلك يكشف بوضوح مدى تغوّل الاحتلال في ممارساته.
إجراءات قمعية
أما في بيت لحم، فالإجراءات القمعية تأخذ شكلاً إداريًا لكنه لا يقل وطأة، عبر إغلاق مداخل المدن والقرى، مما يؤدي إلى خنق الحياة اليومية للفلسطينيين، ويجعل من التنقل تحديًا وجوديًا. هذه الإجراءات تضرب الاقتصاد المحلي، وتقطع أوصال المدن، وتعمّق من عزلة المجتمعات عن بعضها البعض، في إطار ما يمكن تسميته بـ”الضغط المتكامل” لتفكيك أي بنية فلسطينية مستقرة.
هذا التوجه التصعيدي، المتزامن مع استمرار العدوان على غزة، يؤشر إلى سياسة إسرائيلية موحّدة هدفها تقويض المشروع الوطني الفلسطيني من جذوره، سواء من خلال التدمير المباشر في القطاع، أو عبر الاستيطان والتهجير وهدم البيوت في الضفة. الأخطر أن هذه السياسات تتجه أكثر نحو الترسيم الدائم للواقع الميداني، بما يعنيه ذلك من تغيير ديموغرافي طويل الأمد، وتدمير مقومات أي حل سياسي عادل أو شامل.
ترسيخ الهيمنة والسيطرة
الاحتلال لا يستهدف فقط الأرض، بل يراهن على تآكل الروح الفلسطينية عبر سلسلة من الضربات المتلاحقة التي لا تترك مجالًا للالتقاط أو الاستقرار. عمليات الهدم والاعتقال وقطع الطرق وتخريب الأرض الزراعية ليست أحداثًا معزولة، بل أجزاء من استراتيجية متكاملة تهدف إلى ترسيخ الهيمنة والسيطرة الكاملة على الضفة الغربية.
في ظل هذا المشهد المظلم، يبدو أن المجتمع الدولي يكتفي بمواقف شكلية لا تترجم إلى أدوات ردع حقيقية، مما يشجع الاحتلال على التمادي. وإذا استمرت هذه الحالة دون تحرك فعّال، فإن الوضع في الضفة الغربية مُرشح لمزيد من الانفجار، ليس فقط لأسباب سياسية، بل بفعل الغضب المتراكم من استهداف كرامة الإنسان الفلسطيني وأبسط حقوقه، من المأوى إلى التنقل وحتى الزراعة.







