تكشف مشاهد متكررة من داخل المدن الإسرائيلية خلال التصعيد العسكري مع إيران عن مشهد اجتماعي غير معتاد، ينسف جانباً كبيراً من الرواية الرسمية التي لطالما تم تسويقها حول “تماسك الجبهة الداخلية” و”وحدة المجتمع الإسرائيلي في أوقات الأزمات”. فقد باتت مقاطع الفيديو المتداولة، وخصوصاً تلك التي توثق رفض سكان بعض المباني السماح لجيرانهم أو لأشخاص آخرين بالدخول إلى الملاجئ أثناء دوي صفارات الإنذار، مؤشراً على حالة من الانقسام المجتمعي المتزايد، وشرخاً في الثقة بين مكونات المجتمع الإسرائيلي ذاته.
طرد وعزل ورفض الإيواء
في الوقت الذي كانت فيه صواريخ إيرانية تضرب العمق الإسرائيلي، وتدوّي صفارات الإنذار في بتاح تكفا وتل أبيب وغيرها من المدن، أُجبرت عائلات إسرائيلية – من بينها أطفال ونساء – على البقاء في العراء بعد أن أغلق السكان أبواب الملاجئ في وجوههم، ليس بسبب نقص المساحة، كما أُعلن، بل تحت مبررات تتعلق بـ”مبدأ” رفض استقبال الغرباء، وهو ما أثار صدمة كبيرة في الرأي العام الإسرائيلي.
هذه الحوادث، التي لم تكن معزولة، سرعان ما تحولت إلى محور نقاش محتدم على منصات التواصل الاجتماعي الإسرائيلية، حيث عبّر كثير من المغردين عن غضبهم وذهولهم من تصرفات تعكس أنانية مفرطة وانهياراً في مفاهيم التكافل والمصير المشترك، لا سيما في لحظات الخطر. فبدلاً من مشهد التضامن والاحتواء الذي يُفترض أن يسود أثناء الحروب، ظهرت مشاهد الطرد والعزل ورفض الإيواء، في مفارقة صارخة مع الخطاب الإعلامي والأيديولوجي الذي رسّخ عبر عقود صورة “الشعب الموحد في وجه التهديدات”.
خلل في البنية المجتمعية
كما أن حضور الشرطة الإسرائيلية إلى أحد المواقع وامتناعها عن اتخاذ أي إجراء رادع، رغم خطورة الموقف، أضاف بُعداً آخر للأزمة، حيث فُسّر ذلك على أنه تساهل رسمي مع سلوكيات تهدد حياة المدنيين وتغذي الفرز الاجتماعي في لحظة حرجة.
ويُعدّ هذا التصدع في السلوك الجمعي ليس فقط نتيجة ظرفية للتوتر الحربي، بل انعكاساً لأزمة ثقة متراكمة داخل المجتمع الإسرائيلي المتنوع إثنياً وثقافياً. فقد أظهرت التعليقات والمواقف أن هذه الظاهرة لم تكن وليدة اللحظة، بل امتداداً لخلل في البنية المجتمعية يتغذى على الشعور بالتفوق أو عدم المسؤولية تجاه “الآخر”، حتى وإن كان شريكاً في الجنسية والمصير.
هشاشة التعايش داخل إسرائيل
إن استمرار هذه الحالات وتكرارها يُضعف ما تُسميه القيادة الإسرائيلية بـ”العمق المجتمعي” الذي يُفترض أن يشكل أحد أعمدة الصمود وقت الأزمات. فالملجأ، في كل المجتمعات، يُمثل أكثر من مجرد جدار حماية من الصواريخ؛ إنه رمز الثقة والتضامن والاحتواء. وعندما يتحول إلى مساحة مغلقة بوجه الجار، فإنه يُعلن عن خلل أعمق من أي تهديد خارجي.
ما تكشفه هذه الوقائع لا يقتصر على بُعد إنساني محض، بل يتجاوز إلى بعد سياسي واجتماعي يمس بقدرة إسرائيل على إدارة أزمتها الداخلية أثناء التصعيدات الخارجية، ويعيد فتح النقاش حول هشاشة التعايش داخل مجتمع يعيش فوق خطوط تصدع غير مرئية، لكنها سرعان ما تظهر في لحظة الخطر.






