تعكس أوامر الإخلاء المتكررة التي يصدرها الجيش الإسرائيلي لسكان مناطق مختلفة في شمال قطاع غزة نمطاً ثابتاً من السلوك العسكري الذي يحمل دلالات متعددة، لا تقف فقط عند حدود “التحذير المسبق” كما تدّعي إسرائيل، بل تتعدى ذلك لتكشف عن استراتيجيات ميدانية وأمنية أعمق، تهدف إلى إعادة رسم المشهد الجغرافي والديموغرافي في القطاع، تحت غطاء العمليات العسكرية.
استراتيجية الإدارة بالنار
القرار الأخير الذي صدر اليوم، والذي طالب سكان بيت لاهيا ومناطق في أحياء عبد الرحمن والكرامة، بالإضافة إلى عدد من البلوكات (975، 979، 980، 982، 983)، بإخلاء مساكنهم، يأتي ضمن سلسلة متكررة من أوامر مشابهة في الشمال، وخاصة في جباليا، ويدل على أن المنطقة لا تزال هدفًا لعمليات عسكرية مستمرة رغم ما يُعلن من مراحل “نهاية الحرب” أو “تقليص العمليات”. وتوجيه المدنيين نحو منطقة المواصي – وهي منطقة سبق أن اعتُبرت “آمنة” – يؤكد محدودية الخيارات أمام سكان غزة الذين لم يعد أمامهم سوى التكدس في مناطق ضيقة لا تلبّي الحد الأدنى من مقومات الحياة.
من الناحية الميدانية، ترتبط هذه الإخلاءات بإستراتيجية “الإدارة بالنار”، وهي سياسة عسكرية قائمة على إفراغ المناطق من السكان قبل تنفيذ عمليات واسعة النطاق، تسمح بحرية التحرك للقوات دون الاعتبارات الإنسانية التي يفرضها وجود المدنيين. كما تسهّل عمليات القصف الجوي والمدفعي، دون الحاجة إلى تمييز الأهداف بدقة، ما يرفع كلفة العدوان على السكان بدلًا من الجيش.
إسرائيل تسعى لتفكيك النسيج الجغرافي
لكن على مستوى أعمق، تشير هذه القرارات إلى سعي إسرائيلي مستمر لتفكيك النسيج الجغرافي والديموغرافي لقطاع غزة، عبر فرض أنماط نزوح قسري تُحدث تغييرات طويلة المدى في توزيع السكان، خاصة في الشمال، الذي يعتبره الجيش نقطة تماس حرجة مع “التهديدات الصاروخية”، وفي بعض التقديرات، موقعًا مستقبليًا محتملاً لمناطق عازلة أو أمنية. بهذا المعنى، فإن الإخلاء ليس إجراءً ظرفيًا، بل قد يكون جزءًا من خطة أوسع لتغيير طابع المناطق الحدودية واستباق أي ترتيبات ما بعد الحرب.
أما من حيث الخطاب الإسرائيلي، فإن نشر هذه الأوامر علنًا – كما فعل المتحدث باسم الجيش أفيخاي أدرعي عبر منصات التواصل – يعكس رغبة إسرائيل في تقديم نفسها كقوة “تحذر المدنيين” وتحاول تقليل الخسائر البشرية، في الوقت الذي تُظهر فيه الوقائع الميدانية أن هذه الأوامر نادرًا ما تُترجم إلى حماية فعلية، بل كثيرًا ما تكون مقدمة لموجات قصف واسعة توقع خسائر جسيمة بين من لم يتمكن من الفرار بسبب ظروف النزوح المستمرة، أو ضعف القدرة على الوصول إلى ما يسمى بـ”المناطق الآمنة”.
من جهة أخرى، فإن صدور أوامر الإخلاء بهذا التكرار يعكس هشاشة الوضع الأمني الإسرائيلي في شمال غزة، ويؤكد أن سيطرة الجيش على هذه المناطق ليست كاملة أو دائمة، إذ تعود فيها الاشتباكات أو إطلاق الصواريخ بشكل متكرر، مما يفرض إعادة اجتياحها مرارًا. وهو ما يقوض المزاعم الإسرائيلية بإنجازات “حسم عسكري” في الشمال، ويكشف فشلًا في ترسيخ أي وضع ميداني مستقر رغم أشهر من العمليات المكثفة.
حصار شامل يهدد بانهيار إنساني
إجمالًا، فإن هذه الأوامر تكشف عن معادلة شديدة الخطورة يتعرض لها الفلسطينيون في غزة: لا منطقة آمنة، ولا استقرار جغرافي، بل انتقال دائم من منطقة مهددة إلى أخرى أكثر ازدحامًا وفقرًا، في ظل حصار شامل وشح في الموارد. هذا الواقع يهدد بإحداث انهيار إنساني واسع، ويحوّل المدنيين إلى رهائن دائمين في معركة لا تميز بين مقاتل وجائع، بين بيت وخيمة، بين ممر إنساني وهدف عسكري.
إن التكرار المتسارع لقرارات الإخلاء، وسلوك الجيش الإسرائيلي المرتبط بها، لا يمكن قراءته إلا في إطار استراتيجية تطهير ميداني تدريجي، يُستخدم فيها الخوف، والضغط الإنساني، والتدمير المنهجي كأدوات لتركيع السكان، في غياب أي مساءلة دولية حقيقية، وفي ظل عجز متواصل عن وقف نزيف الدم والتشريد.







