تتصاعد وتيرة الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون الإسرائيليون في الضفة الغربية بوتيرة غير مسبوقة، ما يحوّل حياة آلاف الفلسطينيين إلى معاناة يومية مركّبة، ويخلق بيئة قسرية تدفعهم إلى الهجرة القسرية من قراهم وتجمعاتهم، خاصة في المناطق الرعوية والبدوية. هذه الجرائم، التي تتم تحت غطاء الجيش الإسرائيلي وبصمت دولي فاضح، لا تقتصر فقط على تهديد مباشر للأرواح والممتلكات، بل تُحدث تفككاً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً في نسيج المجتمع الفلسطيني في الضفة.
تخريب الممتلكات
بيانات الأمم المتحدة ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” تشير إلى أن نحو 2895 فلسطينياً أجبروا على مغادرة 69 تجمعاً سكانياً منذ بداية عام 2023 حتى منتصف يوليو 2025. يُعزى هذا التهجير إلى البيئة القسرية التي تخلقها الاعتداءات المنظمة من قبل المستوطنين وفرض القيود على التنقل. اللافت أن حوالي ثلث المهجرين ينتمون إلى منطقة غور الأردن، وهي منطقة ذات أهمية جغرافية واستراتيجية كبيرة، ما يعزز فرضية أن هذه الهجمات ليست عشوائية، بل جزء من خطة مدروسة للسيطرة التدريجية على الأرض وطرد سكانها الأصليين.
الاعتداءات التي وثقتها “أوتشا” خلال أسبوع واحد فقط (بين 8 و14 يوليو) بلغت 30 هجمة موثقة، وتنوعت بين اعتداءات جسدية مباشرة وتخريب للممتلكات. أما على مدار النصف الأول من عام 2025، فقد رُصد أكثر من 2150 اعتداءً نفذه المستوطنون، أودت بحياة 4 مواطنين، وتسببت في إشعال منازل، وإطلاق نار على المدنيين، وتدمير الممتلكات العامة والخاصة. هذه الاعتداءات ليست فقط هجمات فردية أو ردود فعل على أحداث، بل تتخذ طابعًا منهجيًا وتُنفذ بحماية الجيش، بل وأحيانًا بتواطؤ منه.
تقويض إقامة دولة فلسطينية
الأخطر أن هذه الجرائم تنعكس على الحياة اليومية للفلسطينيين بطرق متعددة. أولاً، تؤدي إلى تدمير سبل العيش، خاصة في المجتمعات الزراعية والرعوية التي تعتمد على الأرض كمصدر دخل وحيد. ثانياً، تؤدي إلى اضطراب اجتماعي ونفسي، حيث يعاني السكان من حالة مستمرة من الخوف وعدم الاستقرار، ويعيش الأطفال تحت وطأة العنف الدائم، ما يؤثر سلبًا على نموهم الجسدي والنفسي. ثالثاً، تسهم هذه الاعتداءات في تعطيل التعليم، بسبب القيود على الحركة وإغلاق الطرق، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع معدلات التسرب المدرسي وتدمير مستقبل أجيال كاملة.
تأتي هذه الجرائم ضمن سياسة إسرائيلية ممنهجة لفرض وقائع ديموغرافية وجغرافية جديدة في الضفة الغربية، تتسق مع مخططات الضم الزاحف، وتقويض أي إمكانية مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافيًا وقابلة للحياة. بينما يتم كل هذا تحت سمع وبصر المجتمع الدولي، الذي يكتفي غالبًا بالإدانة الشكلية دون أي تدخل فعال لوقف هذه الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي.
منظومة استعمارية
الوضع في الضفة الغربية لم يعد مجرد احتلال عسكري تقليدي، بل تحول إلى منظومة استعمارية عنيفة تمارس التطهير العرقي بوسائل بطيئة ومركبة، من خلال أدوات الاستيطان والقمع والتهجير. وإذا استمرت هذه الجرائم دون مساءلة أو تدخل دولي فاعل، فإن مستقبل الوجود الفلسطيني في مناطق واسعة من الضفة الغربية سيكون مهددًا بشكل خطير.






