يشير أحدث تقرير صادر عن نادي الأسير الفلسطيني إلى تفاقم غير مسبوق في أوضاع الأسرى داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، سواء من حيث العدد أو نوعية الانتهاكات، ما يعكس تصعيداً ممنهجاً ضمن سياسة تستهدف كسر البنية المجتمعية الفلسطينية عبر منظومة القمع داخل المعتقلات.
التوسع في حملات الاعتقال
فبعد مرور نحو 21 شهرًا على بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، يرتفع عدد المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية إلى نحو 10,800، وهو الأعلى منذ انتفاضة الأقصى عام 2000، ما يعكس حجم التوسع في حملات الاعتقال المنظم، التي تجاوزت طابعها “الأمني” المزعوم لتصبح أداة مباشرة من أدوات الحرب الشاملة على الفلسطينيين، دون أن يشمل هذا الرقم المعتقلين في معسكرات الجيش التي تفتقد لأي رقابة قانونية أو إنسانية.
اللافت أن من بين المعتقلين أكثر من 450 طفلًا، و50 أسيرة، بينهن اثنتان من قطاع غزة، فيما يشكل المعتقلون الإداريون – دون تهم أو محاكمة – أكثر من 3,629، ما يمثل مؤشراً خطيراً على التحول نحو الاعتقال كوسيلة عقاب جماعي وإلغاء شبه تام للضمانات القضائية، تحت غطاء “القانون العسكري” الذي يفرضه الاحتلال.
التحرش والاعتداء الجنسي
ويكشف التقرير أن الانتهاكات داخل السجون لم تعد مجرد خروقات فردية، بل باتت سياسة رسمية متصاعدة تشمل التجويع، الضرب، الحرمان من العلاج، وتعمد تفشي الأمراض، وعلى رأسها مرض الجرب، الذي انتشر في سجني مجدو وعوفر بين صفوف الأسرى الأطفال، في مؤشر على الإهمال الصحي المتعمد، والذي يعد جريمة حرب بموجب القانون الدولي.
وتشير شهادات الأسرى التي جمعت خلال زيارات ميدانية أجريت في النصف الأول من يوليو إلى نمط ثابت من الانتهاكات التي تُمارس داخل المعتقلات، بدءًا من الاعتداءات الجسدية خلال التنقلات، وصولًا إلى التحرش والاعتداء الجنسي، وفرض ظروف احتجاز غير إنسانية تسهم في تدهور الصحة الجسدية والنفسية.
ورغم المطالبات المتكررة، لا تزال سلطات الاحتلال تمنع اللجنة الدولية للصليب الأحمر من الوصول إلى المعتقلين، في انتهاك واضح لاتفاقيات جنيف، مما يشكل حاجزًا أمام الرقابة الدولية ويمنح الاحتلال مزيدًا من الغطاء لارتكاب الانتهاكات دون مساءلة.
فشل المؤسسات الحقوقية الدولية
ويأتي ذلك في ظل صمت دولي شبه تام، حيث فشلت المؤسسات الحقوقية الدولية حتى الآن في اتخاذ أي إجراءات جادة لوقف الانتهاكات أو محاسبة المسؤولين عنها، رغم الأدلة المتراكمة على تعمد نشر الأوبئة، والحرمان من العلاج، وممارسات التعذيب الجسدي والنفسي، والتي ترتقي إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية.
يشكل هذا التقرير دعوة عاجلة للمجتمع الدولي لإعادة النظر في علاقته مع سلطات الاحتلال، خصوصًا في ظل الاتهامات الموثقة بارتكاب جرائم إبادة وجرائم حرب. كما يعكس حجم المأساة المتواصلة داخل المعتقلات التي تحولت إلى مواقع عقابية جماعية تسهم في استمرار معاناة الشعب الفلسطيني، وتمثل أحد أوجه الحرب المفتوحة على وجوده وحقوقه.




