في قلب الجحيم الإنساني الذي يعيشه قطاع غزة، برزت مأساة النساء الحوامل كأحد أشد أوجه الكارثة قسوة وبشاعة. تقرير حديث صادر عن صندوق الأمم المتحدة للسكان يكشف عن وجود نحو 55 ألف سيدة حامل في القطاع، وجميعهن يواجهن احتمالات الولادة في ظروف غير إنسانية، بل وغير قابلة للحياة في كثير من الأحيان، نتيجة الحرب المستمرة والحصار الخانق الذي يشل البنية التحتية الصحية بشكل كامل.
انهيار شامل لمنظومة الرعاية
هذه الأرقام لا تعكس فقط أزمة صحية، بل تجسّد ملامح انهيار شامل لمنظومة الرعاية في ظل استهداف المنظومات الصحية ونفاد المستلزمات الطبية الضرورية. المستشفيات، التي من المفترض أن تكون أماكن آمنة للولادة والرعاية، أصبحت عاجزة عن تقديم الحد الأدنى من الخدمات، بينما تئن أقسام الولادة تحت ضغط هائل في ظل نقص حاد في الكوادر الطبية، سواء بسبب الاستشهاد أو التهجير أو الانهيار النفسي والجسدي للعاملين في المجال الصحي.
لكن الأدهى من ذلك، أن الآلاف من بين هؤلاء النساء، لا سيما نحو 11 ألف سيدة على الأقل، يواجهن خطرًا وجوديًا مضاعفًا: الحمل في ظل المجاعة وسوء التغذية الحاد. هذه الوضعية لا تهدد فقط حياة الأمهات، بل تمتد لتشمل الأجنّة الذين يواجهون خطر الولادة المبكرة، أو التشوهات الخَلقية، أو الوفاة في الرحم. فجسد المرأة في مثل هذه الظروف يصبح ساحة صراع بين الحياة والموت، في غياب الغذاء والرعاية والمأوى والطمأنينة.
أحكام بالإعدام على آلاف النساء
الجوع لا يرحم، والحرب لا تستثني أحدًا، لكن النساء الحوامل في غزة يواجهن نوعًا مركبًا من المعاناة، إذ يجتمع عليهن الألم الجسدي والمعاناة النفسية والمخاوف المستمرة من فقدان الجنين أو الولادة دون دعم طبي. ومع كل يوم يمر، تصبح احتمالات فقد الأرواح أعلى، ويزداد الضغط على العائلات التي لا تملك سوى الصبر في وجه الموت الصامت.
صندوق الأمم المتحدة للسكان أطلق صرخة تحذير تطالب بتحرك دولي فوري، ليس فقط من منطلق الإغاثة، بل من منطلق المسؤولية الأخلاقية والقانونية تجاه حماية النساء والأطفال. فاستمرار الحصار ومنع إدخال المساعدات، خاصة الإمدادات الطبية والغذائية، يعني حرفيًا صدور أحكام بالإعدام على آلاف النساء وأجنتهن.
عار إنساني موثق
إن مأساة الحوامل في غزة ليست مجرد أرقام ضمن تقارير دولية، بل هي قصص حياة تنطفئ بصمت تحت أنقاض المستشفيات، وأجساد تئن على أسرة مهترئة، وأجنة تُجهض قبل أن ترى النور في عالم لم يُهيأ لها. إنها جريمة ترتكب بصمت العالم، وعارٌ إنساني موثق بالصوت والصورة، ويكفي أن تنظر عين صادقة إلى عيون أم تنزف على باب مستشفى دون كهرباء أو دواء، لتدرك أن الإنسانية تنهار هناك، في غزة.






