تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، التي كشف فيها عن نقاش داخلي حول ضم الجزء الشمالي من قطاع غزة بذريعة “الضرورات الأمنية”، تكشف عن نوايا إسرائيلية متجددة للاستيلاء على أراضٍ فلسطينية بالقوة، في خرق واضح للقانون الدولي ومبادئ السيادة. التصريح لا يأتي في فراغ سياسي أو عسكري، بل يتزامن مع تصعيد متواصل ضد قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، ما يثير تساؤلات جدية حول الهدف النهائي من هذا العدوان، ويفتح الباب أمام احتمالات تطبيق أجندة استعمارية صريحة يعاد فيها إحياء مشاريع الاستيطان في القطاع.
تواطؤ مؤسسات رسمية
حديث سموتريتش عن “ريفييرا” في غزة، لا يحمل فقط استعلاءً فاضحًا على أنقاض المعاناة الفلسطينية، بل يعكس ذهنية استعمارية قديمة-جديدة تقوم على تحويل الأرض الفلسطينية إلى مشروع استيطاني واقتصادي إسرائيلي يُقصي السكان الأصليين. استخدام مفردات مثل “مستوطنات أمنية” يؤكد أن الدوافع الأمنية المزعومة ما هي إلا غطاء لمخططات ضم وتهويد، على غرار ما حدث في الضفة الغربية، وخاصة في المناطق المصنفة (ج).
اللافت أن هذه التصريحات تأتي في سياق نقاشات تقودها جماعات ضغط مؤيدة للاستيطان، ما يدل على تواطؤ بين مؤسسات رسمية ودوائر متطرفة داخل إسرائيل، تسعى إلى فرض وقائع ميدانية جديدة في غزة بعد تدميرها وتشريد سكانها. إن طرح موضوع “ضم الحدود الشمالية لغزة” يعكس نزعة توسعية واضحة، تهدف إلى تكريس السيطرة الإسرائيلية بحجة حماية المستوطنات أو خطوط التماس، وهو أسلوب تكرر في الضفة الغربية منذ عام 1967.
انتهاك صريح لاتفاقيات جنيف
من الناحية القانونية، فإن أي محاولة لضم أراضٍ محتلة أو إقامة مستوطنات فيها يُعد انتهاكًا صريحًا لاتفاقيات جنيف الرابعة، التي تحظر نقل سكان الدولة المحتلة إلى الأراضي التي تحتلها، وتجرم تغيير البنية الديمغرافية والجغرافية لهذه المناطق. كذلك، فإن الحديث عن ضم شمال غزة، سواء تم أم لم يتم رسميًا، يفتح المجال لتكريس الاحتلال وتحويله إلى أمر واقع، بما يضع المجتمع الدولي أمام تحدٍ جديد، يستوجب ردًا سياسيًا وقانونيًا عاجلًا.
كما أن ما أعلنه سموتريتش يشير إلى وجود تنسيق على مستوى عالٍ مع الجيش الإسرائيلي، وتحديدًا مع رئيس الأركان، ما يعزز فرضية أن الاستهداف الواسع للقطاع، خصوصًا شماله، لم يكن فقط بدوافع عسكرية، بل يندرج ضمن خطة أوسع ترمي إلى تفريغ الأرض تمهيدًا لإعادة توطينها بمستوطنين. هذا السيناريو يعيد إلى الأذهان تجربة تهويد القدس والضفة الغربية، ويهدد بتكرارها في غزة بعد محاولة إبادة جماعية ممنهجة للسكان.
تفعيل أدوات المساءلة الدولية
في ظل هذه المؤشرات، تبرز الحاجة إلى مواجهة هذا المخطط من خلال خطوات فلسطينية ودولية عاجلة. فالصمت على هكذا تصريحات ومخططات يعزز احتمال تنفيذها، خاصة في ظل انشغال المجتمع الدولي بالجوانب الإنسانية دون التصدي للمشروع السياسي-الاستعماري الكامن خلف الأزمة. المطلوب اليوم ليس فقط وقف العدوان على غزة، بل وضع حد نهائي لمخططات الضم والاستيطان، وتفعيل أدوات المساءلة الدولية بحق الشخصيات الإسرائيلية المتورطة في الدعوة إلى تطهير عرقي وضم غير قانوني.
أخيرًا، تعكس تصريحات سموتريتش المدى الذي بلغه الفكر الاستيطاني في الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي تضم شخصيات متطرفة تنظر إلى الفلسطينيين كعقبة يجب إزالتها لا كشعب صاحب حق وأرض. ومع التدمير المنهجي لغزة، تصبح هذه التصريحات ليست فقط كشفًا لنوايا الاحتلال، بل إعلانًا عن نية استكمال مشروع اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه بقوة السلاح والدمار، وهو ما يتطلب ردًا عربيًا ودوليًا بمستوى التهديد، قبل فوات الأوان.






