المأساة الإنسانية المتفاقمة في قطاع غزة بلغت مستويات كارثية مع ازدياد أعداد الوفيات الناتجة عن الجوع وسوء التغذية، وسط استمرار الحصار الإسرائيلي الشامل وإغلاق المعابر لقرابة خمسة أشهر متواصلة. الإعلان الصادر عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، والذي يؤكد وفاة أكثر من 115 شخصاً نتيجة المجاعة، لا يعكس فقط مأساة فردية أو حصيلة رقمية، بل يمثل دليلاً دامغاً على الانهيار الكامل للبنية الإنسانية في القطاع، وانكشاف أكثر من مليوني إنسان أمام موت بطيء لا تُطلق عليه الطائرات، بل تصنعه سياسة التجويع الممنهجة.
رواية الاحتلال المضللة
ففي الوقت الذي تتساقط فيه القنابل على رؤوس المدنيين، يحاصرهم الجوع من الداخل، ليحيل حياتهم اليومية إلى سلسلة من مشاهد الألم والبؤس: أطفال بلا حليب، وشيوخ ينهارون من الضعف، وأمهات لا يجدن لقمة تكفي صغارهن. المشهد يتجاوز حدود المعاناة الاعتيادية الناتجة عن الحروب، ويدخل في تعريف الإبادة البطيئة، حين يتحوّل الجوع إلى سلاح، وتصبح المساعدات الإنسانية هدفاً عسكرياً، يُمنع دخولها أو يُقتل من ينتظرها.
تقرير المكتب الإعلامي في غزة يكشف عن مفارقة قاسية، حيث تتزايد حالات الوفاة بالتوازي مع محاولات دعائية خارجية تُروّج لانكسار المجاعة ودخول مئات الشاحنات. وصف هذه المزاعم بأنها تماهٍ مع «الرواية المضللة للاحتلال» يعكس حجم اليأس والغضب في الداخل، إذ يرى كثيرون أن العالم بدأ يتعامل مع أخبار غزة كروتين يومي ممل، لا ككارثة يجب التدخل الفوري لوقفها. بينما تجهد سلطات الاحتلال في تسويق صور محددة تظهر شحنات مساعدات محدودة تدخل من معابر محاصرة، تؤكد مصادر فلسطينية أن أكثر من 500 ألف كيس دقيق مطلوب أسبوعياً لتفادي الانهيار الكامل، في حين لا يصل القطاع سوى القليل، وغالباً عبر طرق ملتوية لا تضمن عدالة التوزيع أو كفايته.
إضعاف النسيج الاجتماعي الفلسطيني
إصرار الاحتلال على إغلاق المعابر منذ 145 يوماً يعكس استراتيجية واضحة: إضعاف النسيج الاجتماعي الفلسطيني من الداخل، وإرغام السكان على الانهيار دون قصف. هذه السياسة لا تقل دموية عن العمليات العسكرية، وربما تفوقها خطورة على المدى الطويل، لأنها تُفرغ المجتمع من قدرته على البقاء، لا فقط على المقاومة. ويتزامن هذا الخنق مع استهداف ممنهج للمدنيين، كان آخره قتل 17 فلسطينياً منذ صباح اليوم، بينهم 3 ممن كانوا ينتظرون المساعدات الغذائية، وهي مشاهد تتكرر في معظم مناطق التوزيع، حيث يتحول الأمل في الحصول على كيس دقيق إلى خطر على الحياة.
المجتمع الدولي، بما في ذلك مؤسسات الأمم المتحدة، لم يتمكن حتى الآن من فرض آلية إنسانية فاعلة لتأمين تدفّق المساعدات. ورغم تعدد بيانات القلق والإدانة، إلا أن غياب إجراءات ملزمة، أو عقوبات ضد دولة الاحتلال، يجعل هذه التصريحات فارغة من أي أثر فعلي. وفي المقابل، تطالب سلطات غزة بوضوح بكسر الحصار بشكل فوري ودون شروط، وفتح المعابر الإنسانية لإغاثة أكثر من 2.4 مليون إنسان يعيشون تحت الخطر المباشر.
جريمة ضد الضمير العالمي
إن ما يجري في غزة ليس فقط جريمة حرب، بل جريمة ضد الضمير العالمي. الجوع هنا ليس كارثة طبيعية، بل قرار سياسي. والضحايا ليسوا أرقاماً في تقارير إنسانية، بل بشرٌ يموتون لأن العالم قرر أن يصمت، وأن يتعامل مع الكارثة على أنها تفصيل ثانوي في معادلة صراع أعقد. لكن المجاعة، في جوهرها، ليست مسألة سياسية، بل إنسانية بامتياز، ومن لا يتحرك الآن، وهو يرى الأجساد النحيلة تسقط في الطرقات، سيكون شريكاً في الجريمة، بصمته وتردده، لا بأفعاله فقط.






