يواجه الفلسطينيون مأساة متعددة الأوجه: مصادرة الأراضي، وعزل القرى، وتمزيق الجغرافيا الفلسطينية عبر الطرق الالتفافية، وخنق المدن والبلدات الفلسطينية بجدران إسمنتية وكتل استيطانية متشابكة. هذه السياسات لا تقتصر على التأثير المكاني، بل تؤسس لفصل عنصري فعلي يُقنن التمييز في الحركة والتنقل، ويُضعف الاقتصاد الفلسطيني عبر محاصرة الزراعة والتجارة، ويقضي على أي أفق لحل سياسي عادل.
ضم تدريجي للأراضي الفلسطينية
التوسع الاستيطاني لا يُنتج فقط وقائع جديدة على الأرض، بل يُعيد تشكيل بنية الاحتلال نحو ضم تدريجي يجرّد الفلسطينيين من أي سيادة محتملة، ويحوّلهم إلى سكان محاصرين في جزر متناثرة بلا اتصال جغرافي. ومع كل خطوة “مدنية” تتخذها إسرائيل، مثل نقل الصلاحيات من الجيش إلى الوزارات الحكومية، يتقلّص الطابع المؤقت للاحتلال، وتزداد رسوخًا بنية استعمارية تهدف للبقاء، لا إلى الانسحاب.
هذه المشاريع، بما تحمله من عنف إداري واستيطاني، تُفاقم الانفجار في الضفة الغربية، وتزيد من الاحتكاك والتصعيد، وتدفع المجتمع الدولي أكثر نحو حافة العجز. فرغم الإدانات المتكررة، لا تزال خطوات الضم تتسارع دون عوائق، وسط تواطؤ دولي صامت، وتراجع الاهتمام العالمي بانتهاكات الاحتلال المستمرة، خصوصًا في ظل انشغال الرأي العام بالحرب المفتوحة في غزة.
ما يحدث في الضفة ليس مجرد تطوير للبنية التحتية، بل ترسيخ لاحتلال طويل الأمد، يسير بخطى واثقة نحو تحويل السيطرة المؤقتة إلى سيادة دائمة، على حساب الحقوق الفلسطينية، وحلم إقامة الدولة المستقلة، وكرامة شعب يرزح تحت استعمار العصر الحديث.
توسيع المستوطنات
وتواصل حكومة الاحتلال الإسرائيلي تكريس مشروعها الاستيطاني في الضفة الغربية، متجاوزة كل الخطوط الحمراء للقانون الدولي، من خلال ضخ ميزانيات ضخمة لتوسيع المستوطنات وفرض الأمر الواقع على الأرض. فالموافقة الأخيرة للجنة المالية في الكنيست على ميزانية إضافية قدرها 918 مليون شيكل لتطوير البنية التحتية الخاصة بالمستوطنين، تأتي كحلقة جديدة في سلسلة طويلة من خطوات الضم الزاحف، الذي لم يعد مجرد طموح أيديولوجي لدى اليمين المتطرف، بل سياسة رسمية مدعومة بالإجراءات التنفيذية والتمويل الحكومي.
الخطير في هذه الميزانية لا يكمن فقط في حجمها، بل في التصريحات المرافقة لها، والتي تكشف النوايا الحقيقية وراء ما يسمى بـ “تطوير البنية التحتية”. وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، لم يخفِ الهدف الأساسي من هذا “الاستثمار” الذي وصفه بأنه “تطبيق للسيادة بحكم الأمر الواقع”، مؤكدًا أن الهدف هو جلب مليون مستوطن إضافي إلى الضفة الغربية، وتدمير فكرة الدولة الفلسطينية من جذورها.
تكريس الدولة العبرية
تصريحات كهذه تُجرد المشروع الاستيطاني من أي قناع تنموي أو أمني، وتضعه في سياقه الحقيقي كأداة لفرض الهيمنة الديموغرافية والسياسية على الفلسطينيين. أما وزيرة المواصلات ميري ريغيف، فتفاخرت بأن “المليارات” التي ضختها وزارتها في الضفة ليست سوى استمرار لسياسة ممنهجة تهدف إلى ربط المستوطنات داخل منظومة البنية التحتية الإسرائيلية، وبالتالي تكريسها كجزء لا يتجزأ من الدولة العبرية.







