في أحد أزقة النصيرات وسط قطاع غزة، لا يبدو أن للحياة ملامح تُذكر. العتمة في كل شيء، حتى في وجوه الناس التي أنهكها الجوع أكثر مما أنهكها الخوف. هناك، حيث كانت الأفران تصدح بأصوات العمال وتحترق بلهيب الرغيف، لا صوت الآن سوى همسات تائهة وأطفال يجلسون على الأرصفة يراقبون السماء، علّ طردًا يسقط فيه شيء يؤكل.
جوع حتى الإغماء
شريف فتحي أبو معوض، رجل خمسيني، تتكئ سنواته الثقيلة على جسد أنهكه الحصار، ثم فتكت به الجراح والجوع معاً. قبل أيام، ظهر في مقطع مصوَّر وهو يتحدث بصوتٍ بالكاد يُسمع، عن الأيام العشرة التي مرت عليه دون أن يجد حتى قطعة خبز. لم يشتكِ كثيراً، بل اكتفى بأن يُخبر العالم أنه جائع… جائع حتى الإغماء، وأنه ما عاد يشعر بأطرافه التي تنحلّ كل يوم بصمت. “لا أستطيع وصف الألم”، قالها بعيون غائرة لا دموع فيها، فالدموع تحتاج إلى ماء، والماء هنا نادر كالحياة.
ليست قصة شريف استثناءً. في مخيم دير البلح، طفلة تُدعى سُمى تبلغ من العمر أربع سنوات، كانت حتى أسابيع مضت تضحك بصوتٍ عالٍ، لكنها اليوم بالكاد تفتح عينيها. والدتها، التي نزحت من خزاعة بعد أن تدمرت بيتها، تحاول جاهدةً أن تُبقي الصغيرة على قيد الحياة، تُبلّ ريقها بقطرات ماء، وتكسر فتات خبز يابس عثرت عليه داخل كيس ممزق على الطريق. لم تدخل المساعدات المخيم منذ أسبوع، والطعام الذي يُلقى من الجو غالباً ما يُنهب أو يتبعثر في الرمال، أو يُلتقط من قبل من هم أقوى جسداً.
البحث عن الطعام وسط النفايات
في خان يونس، أبو إياد، رجل مسن فقد بيته في القصف، يجلس بجوار خيمة مهترئة أُقيمت على عجل، يراقب حفيده الصغير وهو يبحث بين النفايات عن بقايا طعام. في يده اليسرى يحمل علبة فارغة، وفي الأخرى عصا يتكئ عليها. يقول بصوت خفيض: “لم أُهَن في حياتي كما أهنت اليوم… أن أرى حفيدي ينبش القمامة لنسد جوعنا، فتلك نهاية لا يستحقها أحد”.
في غزة، الجوع ليس شعوراً عابراً، بل معركة يومية تبدأ مع شروق الشمس، حيث يخرج آلاف المدنيين بحثاً عن فتات، وتنتهي مع حلول الظلام، حين يكتشفون أن السماء لا تمطر قمحاً، وأن الطائرات التي ترمي المساعدات، هي ذاتها التي تقصفهم ليلاً.
وفي مشهد آخر أكثر قسوة، تجلس أم محمد بجوار فرن مدمّر في حي الرمال. كانت تعمل هناك سابقاً، واليوم تعود لتجلس أمامه فقط، تقول إن الجدران المهدمة “تحمل رائحة الخبز الذي كان”، وإنها تجد عزاءً ما في تذكر ذلك. على بعد أمتار، تجمّع عشرات الأهالي قرب مكان يُشاع أنه نقطة إنزال للمساعدات، لكن الغارة سبقتهم، وسقط خمسة قتلى منهم دون أن تصلهم علبة طعام واحدة.
أصوات الجوع
في غزة اليوم، لا يمكن للمرء أن يسأل أحداً “هل أكلت؟”، لأن الجواب معروف، مؤلم، ومتكرر. الجوع هنا ليس مجرد غياب للطعام، بل انسلاخ تدريجي عن الحياة. هناك أجساد بدأت تتوقف ببطء، وعقول تفقد اتزانها، وأرواح تتشبث بالبقاء فقط لأن من حولها يتشبثون أيضاً.
وفي هذا المكان المحاصر، حيث الحياة تقاوم الموت بكل ما تبقى من كرامة، لا تزال العيون تنظر نحو العالم، لا طلباً للشفقة، بل أملاً في أن يسمع أحد صوتًا ضعيفًا ينادي من تحت الأنقاض: “نحن جائعون… ونكاد نُفنى”.






