تشهد محافظة حضرموت، وتحديدًا مدن الساحل وفي مقدمتها مدينة المكلا، حالة من الغليان الشعبي غير المسبوق، نتيجة لانهيار الخدمات الأساسية وفي مقدمتها الكهرباء والمياه، وتدهور الوضع المعيشي في ظل انهيار العملة وارتفاع الأسعار بشكل لا يُطاق. المشهد بات يتجاوز حدود الاحتجاج التقليدي إلى ما يشبه العصيان المدني الشامل، مع إغلاق الطرقات العامة، وتعطيل الحياة اليومية، واقتحام المؤسسات الحكومية، في مؤشر واضح على عمق الأزمة واتساع الهوة بين المواطنين والسلطة.
غضب شعبي مفتوح
ما يحدث في حضرموت ليس مجرد احتجاج عابر على انقطاع التيار الكهربائي أو تعطل شبكة المياه، بل هو انفجار اجتماعي تراكمت أسبابه خلال سنوات من الإهمال والتهميش وسوء الإدارة. فالمحافظة التي لطالما وُصفت بأنها من أكثر مناطق اليمن استقرارًا وأقلها توترًا، باتت اليوم ساحة غضب شعبي مفتوح على كل الاحتمالات. العصيان المدني، الذي دعت إليه لجنة التصعيد، شلَّ المدينة ومرافقها الحيوية، بما في ذلك الموانئ ومباني الحكومة ومكاتب الخدمات، كما وصل إلى الطرق الدولية الرابطة مع سلطنة عمان، ما يضع الحكومة المركزية أمام تحدٍّ كبير لم يعد بالإمكان تجاهله أو تأجيله.
دلالات المشهد الحضرمي تتجاوز نطاق المطالب الخدمية لتدخل في صلب التوترات السياسية المتصاعدة في اليمن، لا سيما مع بروز دعوات الحكم الذاتي بصوت مرتفع من قبل حلف قبائل حضرموت ومؤتمر حضرموت الجامع. هذه الدعوات لم تأتِ من فراغ، بل من شعور راسخ بالخذلان من قبل الحكومة المركزية، التي عجزت في نظر أبناء المحافظة عن تقديم الحد الأدنى من الخدمات أو معالجة الملفات الملحة. فالمحتجون لا يطالبون فقط بعودة الكهرباء، بل يطالبون بإقالة ومحاسبة المسؤولين عن تدهور الأوضاع، وبمنح المحافظة حق إدارة شؤونها بعيدًا عن الصراعات الحزبية والمماحكات السياسية التي عطّلت أي مشروع تنموي حقيقي في المنطقة.
خيارات سياسية بديلة
اللافت أن الاحتجاجات لم تكن مُسيّسة بوضوح لمصلحة أي طرف، بل بدت تعبيرًا ناضجًا عن رفض شامل للواقع الراهن، حتى إن بعض القوى السياسية – كالمجلس الانتقالي الجنوبي – حاولت اللحاق بالموجة وتسجيل موقف داعم للمطالب الشعبية، لكنها وُوجهت بتشكيك واضح من قادة الحراك القبلي والاجتماعي، الذين اعتبروا أن الانتقالي شريك في السلطة، وبالتالي يتحمّل جزءًا من المسؤولية عن هذا الفشل العام.
أما موقف حلف قبائل حضرموت، فهو الأوضح حتى الآن في تبني المطالب الشعبية والدفع بها إلى أقصى مدى. فالبيانات الصادرة عن الحلف، وكذلك تصريحات قادته، تعكس نفادًا كاملاً للصبر، ورغبة في التوجه نحو خيارات سياسية بديلة، إن لم تبادر السلطة إلى اتخاذ خطوات ملموسة وعاجلة. فالدعوة للحكم الذاتي لم تعد مجرد شعار سياسي، بل باتت مشروعًا يستند إلى واقع مأزوم، وقاعدة شعبية غاضبة، ترى في هذا الخيار مخرجًا وحيدًا من قبضة الفساد وغياب الدولة.
محاسبة الفاسدين
الاحتجاجات في حضرموت باتت اليوم مرآة لما يمكن أن يحدث في مناطق أخرى من اليمن إذا استمر التدهور المعيشي والخدمي بهذا الشكل. فهي بمثابة إنذار مبكر لنظام سياسي متصدّع، غير قادر على تلبية الحد الأدنى من احتياجات الناس، وغير راغب – أو غير مؤهل – في الاستجابة لمطالب الشارع. وإن لم تتعامل السلطات مع هذا الحراك بحكمة وجرأة في آنٍ معًا، فإن الأوضاع مهيأة للانفجار بشكل أوسع، قد لا تظل حضرموت في إطاره ساحة وحيدة.
وفي ظل انسداد الأفق، تبدو الحاجة ماسة إلى حلول جذرية تبدأ بمحاسبة الفاسدين وتحسين الخدمات فورًا، لكن الأهم هو إعادة النظر في شكل العلاقة بين المركز والمحافظات، خاصة تلك التي تطالب بإدارة ذاتية. فالمشكلة في حضرموت لم تعد محصورة في الكهرباء، بل في غياب رؤية سياسية شاملة تعيد الثقة بين الناس ومؤسسات الدولة، وتكبح تمدد الغضب الذي لم يعد بإمكان أحد احتواؤه بالشعارات أو المسكنات المؤقتة.







