أعلنت الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية السورية عن قرار جديد يقضي بمنع استيراد مجموعة واسعة من المنتجات الزراعية، بدءًا من مطلع أغسطس المقبل، في خطوة تهدف – بحسب البيان الرسمي – إلى دعم الإنتاج المحلي وحماية القطاع الزراعي الوطني. القرار يشمل سلعًا أساسية يستهلكها السوريون بشكل يومي، مثل الطماطم والبطاطا والخيار والفواكه الصيفية، إضافة إلى منتجات حيوانية كالبيض والفروج، ما يثير تساؤلات عديدة حول آثاره الاقتصادية والاجتماعية في ظل الظروف المعقدة التي يمر بها الاقتصاد السوري.
سياسة الاكتفاء الذاتي
في السياق النظري، يبدو القرار متناغمًا مع سياسة الاكتفاء الذاتي التي تسعى الحكومة السورية إلى ترسيخها منذ سنوات، خصوصًا في ظل العقوبات الاقتصادية المفروضة على البلاد، وتراجع قدرة الدولة على تأمين العملات الأجنبية اللازمة للاستيراد. فدعم الإنتاج المحلي، وتحفيز الفلاحين، وتخفيف الاعتماد على الخارج، كلها أهداف مشروعة في ظروف الحصار والضغط الاقتصادي. غير أن فعالية هذه السياسة مرهونة بجملة من الشروط الموضوعية التي لا يبدو أنها متوفرة بالكامل في الواقع السوري الراهن.
فالقطاع الزراعي السوري، الذي يُراد حمايته عبر منع الاستيراد، يعاني من مشكلات هيكلية كبيرة، تشمل ضعف البنية التحتية، وندرة مستلزمات الإنتاج، وارتفاع أسعار الوقود، وتقلص الدعم الحكومي، إضافة إلى تداعيات التغير المناخي وشحّ المياه. فكيف يمكن لهذا القطاع أن يلبي الطلب المحلي بشكل كافٍ ومناسب من حيث الجودة والسعر في ظل هذه التحديات؟ وهل سيؤدي قرار المنع إلى حماية الفلاح حقًا، أم إلى خلق موجة جديدة من الغلاء بسبب قلة المعروض في الأسواق؟
هيمنة التجار والمحتكرين
من جهة أخرى، فإن منع استيراد منتجات زراعية أساسية خلال فصل الصيف، والذي يُعد ذروة الاستهلاك، يحمل في طياته مخاطرة بتفاقم أزمة الأسعار، خاصة إذا لم يتمكن الإنتاج المحلي من تغطية الفجوة. في هذه الحالة، قد يتحول القرار إلى عبء على المواطن لا إلى حماية له، ويعزز من هيمنة بعض التجار والمحتكرين على السوق، وهو ما قد يفتح الباب أمام ارتفاع كبير في أسعار الخضروات والفاكهة، التي تُعد مصدر الغذاء الرئيسي لشريحة واسعة من السكان الذين يعانون أصلاً من تآكل القدرة الشرائية.
وفي موازاة هذا القرار، ناقشت شخصيات بارزة في القطاعين الاقتصادي والتجاري سبل تحسين بيئة الأعمال، خلال اجتماع جمع نائب وزير الاقتصاد والصناعة، ورئيس اتحاد غرف التجارة، وممثلين عن غرفة تجارة ريف دمشق. النقاش تناول موضوعات مثل الرسوم الجمركية وجذب الاستثمار وتسهيل الإجراءات. وهو ما يعكس إدراكًا لدى الجهات الرسمية بضرورة العمل على تحسين مناخ الاستثمار الداخلي، وتشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص. إلا أن هذا الحراك لا يزال في بداياته، ويحتاج إلى خطوات ملموسة لا تقتصر على الاجتماعات والتوصيات، بل تتطلب تغييرًا فعليًا في السياسات المالية والإدارية والقانونية لجذب رؤوس الأموال، خصوصًا في مناخ محفوف بعدم اليقين.
تقليص الاعتماد على الخارج
يمكن فهم قرار منع الاستيراد كجزء من رؤية اقتصادية تسعى إلى تقليص الاعتماد على الخارج، وتحفيز الإنتاج الوطني. لكنه قرار محفوف بالمخاطر إذا لم يُرافق بخطة دعم واضحة للقطاع الزراعي، وآليات مراقبة صارمة تمنع الاحتكار وضبط الأسعار. فالحلول الاقتصادية الناجعة لا تأتي من قرارات إدارية فقط، بل من بناء منظومات إنتاج فاعلة، واستراتيجيات استثمار قائمة على الواقعية والشفافية، وتحقيق توازن بين حماية السوق المحلي وحق المواطن في الحصول على سلعة متوفرة وبسعر معقول.






