تُسلّط المجازر المتكررة التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، كما حدث فجر اليوم السبت، الضوء على واقع إنساني بالغ القسوة، تتعمّق فيه المأساة يومًا بعد يوم، ويغيب فيه الحد الأدنى من الحماية للمدنيين. استشهاد 22 مواطنًا في يوم واحد، بينهم 12 من منتظري المساعدات، وثلاث نساء، وأطفال من عائلة واحدة، يُعد تجسيدًا فاضحًا لفشل كل محاولات الفصل بين العمليات العسكرية والمدنيين.
قصف منزل عائلة
إنّ استهداف منطقة المساعدات في محور “نتساريم”، الذي يُفترض أن يكون منسقًا دوليًا ومسارًا آمنًا لتوزيع الإغاثة، يمثل تصعيدًا خطيرًا ينذر بانهيار ما تبقى من الثقة في التنسيقات الإنسانية المحدودة أصلاً. عندما يُقتل 12 شخصًا فقط لأنهم انتظروا شاحنة غذاء، فإن ذلك لا يعكس فقط استهتارًا بالأرواح، بل أيضًا استهزاءً بمساعي المجتمع الدولي لإبقاء شريان حياة مفتوحًا لسكان القطاع المنهكين.
القصف الذي طال منزل عائلة القريناوي في بلدة الزوايدة، وأودى بحياة الأب والأم وأطفالهما الثلاثة، يُعيد إلى الواجهة نمطاً من الاستهداف الذي لم يتوقف منذ بداية الحرب في أكتوبر 2023، وهو قصف المنازل على رؤوس ساكنيها. ما يُفاقم فداحة هذا المشهد أن هؤلاء الضحايا لم يكونوا في موقع اشتباك، ولم يُعلن عن وجود “نشاطات عسكرية” في محيطهم، ما يجعل من العملية عملاً عقابياً جماعياً يطال الأبرياء، ويغذي دورة الغضب والانقسام.
الأكثر خطورة هو استهداف خيام النازحين بالقنابل المسيرة، كما حدث بالقرب من مفترق الصناعة في خان يونس. عندما يصبح النزوح نفسه مخاطرة، ولا توفر الخيام البسيطة أي قدر من الحماية من القصف، فإن معايير القانون الدولي الإنساني تُداس بأقدام الآلة العسكرية، وتفقد أماكن الإيواء صفتها كـ”ملاذات” وتحولها إلى أهداف مكشوفة.
لا حصانة للمريض أو الجائع
تعكس هذه الجرائم المتكررة واقعًا جديدًا يُراد فرضه في غزة، حيث لا مكان آمن، ولا ملجأ يحمي، ولا خط فاصل بين المقاتل والمدني، ولا حصانة للمريض أو الجائع أو الطفل. وفي ظل هذا الواقع، يتقلص الحيز الإنساني ليصبح مجرد وهم، وتتعمّق قناعة الفلسطينيين بأن هذه الحرب ليست فقط ضد طرف مسلح، بل ضد الوجود المدني نفسه.
التعاطي الدولي مع هذه الانتهاكات ما زال بطيئًا ومرتبكًا، الأمر الذي يُضعف قدرة المنظومة الأممية على التدخل الفاعل، ويترك غزة ضحيةً للفراغ السياسي والانحياز العسكري. لكن استمرار هذا النمط من الاستهداف سيُفضي حتمًا إلى نتائج كارثية، ليس فقط على الأرض، بل في ضمير الإنسانية، الذي يفترض أن يتوقف عند لحظة كهذه ليسأل: إلى متى تستباح الحياة بهذا الشكل؟






