في خطوة تكشف عن تحوّل نوعي في بنية جهاز الاستخبارات الإسرائيلي “الموساد”، أعلن الجهاز عن فتح أبوابه علناً أمام الشابات لأداء الخدمة الوطنية المدنية في صفوفه، وهي سابقة من نوعها في تاريخ الجهاز المعروف بتقاليده الصارمة في السرية والانغلاق المؤسسي. ويأتي هذا الإعلان ليمثل نقلة استراتيجية تعكس تحولات عميقة في منهجية التجنيد داخل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، من خلال إدماج مسارات غير عسكرية، وأكثر شمولاً من حيث الفئات المجتمعية المستهدفة.
التجنيد الإجباري
اللافت في هذه الخطوة أنها تتجاوز البعد الإداري أو التقني في التوسع المؤسسي، لتُظهر تحركاً منهجياً نحو استقطاب كفاءات نسائية من خارج الإطار العسكري التقليدي، وتحديداً من الشابات المعفيات من التجنيد الإجباري، مثل النساء اليهوديات المتدينات. هذه الفئة، التي كانت تُعتبر خارج دوائر الخدمة الأمنية الرسمية، أصبحت الآن ضمن استراتيجية متقدمة لتوسيع “الاحتياطي البشري” للجهاز، عبر مسار مدني يوفر بيئة عمل مرنة وقابلة للتأقلم مع خصوصياتهن الدينية والاجتماعية.
ويعكس فتح البرنامج أمام المتطوعات في “شيروت لئومي” تغيراً في النظرة إلى الكفاءة الأمنية، بحيث لم تعد مرتبطة حصرًا بالميدان أو التدريب العسكري، بل أصبحت تمتد إلى مجالات مثل التحليل الاستخباراتي، والذكاء الصناعي، والبرمجة، والعمليات الرقمية، وهي مجالات تزداد أهميتها داخل أجهزة الأمن حول العالم. بهذا المعنى، فإن التوسعة تمثل تحديثاً حقيقياً في فلسفة الأمن القومي الإسرائيلي، عبر دمج التكنولوجيا والخبرات المدنية في العمليات الحساسة.
تعقيدات التجنيد العسكري
هذا التحول يتزامن مع واقع تشهده إسرائيل من حيث التحولات الديموغرافية والتوترات بين القطاعات الدينية والعلمانية. إدماج المتدينات في وظائف حساسة داخل “الموساد”، وإن عبر الخدمة الوطنية، لا يخلو من بعد سياسي اجتماعي يعكس محاولات لدمج هذه الفئات ضمن ما يُسمى “النظام القومي الوظيفي” للدولة، دون المساس بقناعاتها أو إثارة صدامات داخلية حول “الخدمة العسكرية”.
من ناحية أخرى، فإن توسيع البرنامج يحمل مؤشرات على رغبة “الموساد” في تعزيز مرونته المؤسسية وتوسيع أدوات التجنيد غير التقليدية، لتجاوز التحديات التي تفرضها العسكرة الكاملة للجهاز، والتي قد تكون أقل جذباً لبعض الكفاءات الشابة. ومع تسجيل نسبة عالية من المشاركات اللواتي يواصلن العمل بعد انتهاء فترة الخدمة، يبدو أن الجهاز يراهن على هذا المسار كمصدر دائم لرفد صفوفه بكفاءات نوعية دون الحاجة للدخول في تعقيدات التجنيد العسكري.
فلسفة الأمن الإسرائيلية
يبقى السؤال: هل يمثل هذا التوسع المدني مقدمة لتحول أعمق في فلسفة الأمن الإسرائيلية نحو “أمن المعرفة” و”الاستخبارات الرقمية”، أم أنه مجرد استجابة تكتيكية لحاجة ظرفية في موارد بشرية يصعب تجنيدها عبر المسارات التقليدية؟ في الحالتين، فإن إعلان “الموساد” العلني يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تُرسم فيها حدود العمل الاستخباراتي الإسرائيلي بمرونة أكبر، واستيعاب أوسع للطاقات المجتمعية المدنية.







