تقرير صحيفة “لوموند” الفرنسية يكشف عن تعقيدات المشهد السياسي والعسكري داخل إسرائيل، حيث يجد رئيس الوزراء ؤ نفسه محاصراً بضغوط هائلة من أطراف متعددة، أبرزها حلفاؤه في اليمين المتطرف، إلى جانب المعارضة الإسرائيلية والانتقادات الدولية المتصاعدة. ورغم قدرته المعروفة على البقاء في قمة السلطة لسنوات طويلة عبر إدارة الأزمات بشكل متتابع، فإن المأزق الحالي يختلف من حيث شدة الانقسام الداخلي وتعدد بؤر الضغط التي تهدد استقرار ائتلافه الحاكم حتى موعده المفترض في أكتوبر 2026.
فقدان الثقة في نتنياهو
إعلان نتنياهو عن خطة “الاحتلال التدريجي” لقطاع غزة جاء كمحاولة لتوازن سياسي وعسكري، لكنه أثار غضباً واسعاً بين القوميين المتطرفين، الذين يرون أن هذا النهج غير كافٍ لتحقيق أهدافهم القصوى، وفي مقدمتها السيطرة الكاملة على القطاع وضمّه، حتى لو كان ذلك على حساب حياة الأسرى والرهائن. وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، أحد أبرز وجوه اليمين المتطرف، عبّر صراحة عن فقدان ثقته بقدرة نتنياهو على قيادة الجيش نحو “نصر حاسم”، فيما طالب شريكه إيتمار بن غفير بترحيل سكان غزة وإعادة الاستيطان فيها. هذه المواقف تكشف أن الانقسام لم يعد مقتصراً على جبهة المعارضة، بل يمتد إلى قلب الائتلاف، ما يضع نتنياهو أمام معضلة الحفاظ على تماسك حكومته.
الخطة التي عرضها نتنياهو تتضمن فتح ممرات إنسانية عبر “مؤسسة غزة الإنسانية”، وإجلاء السكان من مناطق توصف بأنها “معاقل حماس”، ثم تنفيذ عمليات عسكرية لنزع سلاح الحركة وتحرير الأسرى، وصولاً إلى تسليم السلطة لجهة مدنية غير محددة لا تشمل حماس ولا السلطة الفلسطينية. لكن هذه الرؤية قوبلت بانتقادات من المعارضة، التي حذرت من أن استمرار الحرب بهذه الوتيرة سيؤدي إلى مقتل المزيد من الجنود، وانهيار الاقتصاد، وتدهور صورة إسرائيل دولياً.
توسيع المستوطنات
من جهة أخرى، تشير “لوموند” إلى أن حسابات سموتريتش وبن غفير تتجاوز غزة إلى الضفة الغربية، حيث يسعيان منذ سنوات إلى ترسيخ مشروع “إسرائيل الكبرى” عبر توسيع المستوطنات، والسيطرة على الأراضي الفلسطينية، وإضعاف أي فرصة لقيام دولة فلسطينية. ويبدو أن أحداث 7 أكتوبر وفرت لهما فرصة لتعزيز هذه الأجندة، في ظل انشغال العالم بالعدوان على غزة ومنع دخول الصحفيين، بينما تتواصل في الضفة الغربية سياسة الاستيطان والمضايقات الممنهجة للفلسطينيين تحت حماية الجيش.
المشهد الحالي يعكس توازناً هشاً بين الاعتبارات العسكرية وضغوط الحلفاء والمخاوف السياسية. فالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية نفسها أبدت تحفظات على خطة الاحتلال الشامل، مفضلة التقدم المرحلي لتقليل استدعاء قوات الاحتياط والحفاظ على الاستقرار الداخلي. وفي المقابل، يرى اليمين المتطرف أن أي تسوية أو نهج تدريجي يمثل تراجعاً عن تحقيق أهدافه الاستراتيجية، ما يزيد من احتمالات الصدام داخل الحكومة.
أزمة سياسية حادة
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن استمرار الائتلاف الحاكم حتى 2026 يظل رهناً بقدرة نتنياهو على المناورة بين أطراف متعارضة المصالح، وفي الوقت نفسه مواجهة الضغط الشعبي المتزايد للإفراج عن الأسرى ووقف النزيف البشري والاقتصادي. لكن إذا تصاعدت الانشقاقات أو انسحب المزيد من الشركاء، فإن إسرائيل قد تتجه نحو أزمة سياسية حادة تتزامن مع استمرار حرب مدمرة في غزة وتصعيد موازٍ في الضفة الغربية.







