تستعد وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية لافتتاح العام الدراسي الجديد 2025-2026 مطلع أيلول/سبتمبر المقبل، في ظرف استثنائي ومعقّد يعكس أبعاد العدوان الإسرائيلي المستمر على الشعب الفلسطيني منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. ففي الوقت الذي تواصل فيه آلة الحرب الإسرائيلية تدمير المدارس والبنى التحتية التعليمية في قطاع غزة وتحاصر العملية التعليمية في الضفة الغربية بما فيها القدس المحتلة، تمضي الوزارة في وضع خططها لإطلاق العام الدراسي، محاولةً المواءمة بين حق الطلبة في التعليم ومتطلبات الواقع الأمني والمالي القاسي.
المشهد التعليمي شبه مشلول
في الضفة الغربية، حيث يستعد أكثر من 800 ألف طالب للعودة إلى مقاعد الدراسة في 2459 مدرسة حكومية وخاصة ووكالة “الأونروا”، تعمل الوزارة على تجهيز المدارس وصيانة الأبنية القائمة وافتتاح أخرى جديدة مع بداية العام أو خلال الشهر الأول منه. كما اتخذت خطوات عملية لتعيين مدراء ومعلمين جدد، وإنهاء أعمال التشطيب في بعض المدارس، وتوفير الكتب المدرسية، إلى جانب إجراء تنقلات للمعلمين تراعي أماكن سكنهم في ظل الظروف الراهنة. هذه الإجراءات ترافقها سياسة مرنة تأخذ بعين الاعتبار الأوضاع الأمنية في مدن مثل جنين وطولكرم، حيث يتم نقل الطلبة من مناطق المواجهة إلى مدارس أكثر أمناً، أو استضافة طلبة “الأونروا” النازحين كطلاب زائرين في المدارس الحكومية.
أما في قطاع غزة، فإن الواقع أكثر مأساوية. فمع دخول العدوان عامه الثاني، حُرم أكثر من 630 ألف طالب وطالبة من حقهم في التعليم للعام الثالث على التوالي، إضافة إلى نحو 58 ألف طفل من المفترض أن يلتحقوا بالصف الأول هذا العام. تدمير 90% من مباني المدارس الحكومية البالغ عددها 307، وتحويل معظم مدارس “الأونروا” إلى مراكز إيواء تعرضت بدورها للقصف والتدمير، جعل المشهد التعليمي شبه مشلول. ورغم ذلك، تعكف الوزارة على توفير بدائل عبر المدارس الافتراضية، خصوصاً للطلبة الغزيين المتواجدين في الخارج، وتحديداً في مصر، حيث تم الإعلان عن انطلاق التعليم الافتراضي مع بداية أيلول. كما قررت الوزارة عقد امتحانات الثانوية العامة لمواليد 2006 في السادس من الشهر ذاته، في خطوة تهدف إلى الحفاظ على استمرارية هذا المفصل التعليمي المهم.
تداعيات الأزمة المالية
الأزمة المالية تضيف عبئاً ثقيلاً على كاهل الوزارة، إذ يتواصل احتجاز الاحتلال لأموال المقاصة منذ ثلاثة أشهر متتالية، في وقت تعاني فيه الحكومة من عجز مالي حاد منذ سنوات نتيجة الاقتطاعات الإسرائيلية المتصاعدة وتراجع المنح الخارجية. هذا الوضع انعكس مباشرة على قدرة الدولة على دفع رواتب الموظفين بشكل كامل، ما أثر بدوره على المعلمين الذين يشكّلون العمود الفقري للعملية التعليمية. ورغم المبادرات الجزئية التي أعلنتها الوزارة لتخفيف الأعباء، مثل صرف رسوم جامعية لأبناء المعلمين من المستحقات أو دعم المواصلات، إلا أن هذه الإجراءات تبقى محدودة قياساً بضخامة الأزمة.
توازن الوزارة اليوم بين مسألتين متلازمتين: ضمان انتظام العام الدراسي بما يحفظ حق الطالب الفلسطيني في التعليم، وتخفيف الضغوط عن المعلمين الذين يعانون من أوضاع مالية صعبة وظروف معيشية خانقة. هذا التوازن لا يمكن تحقيقه بمعزل عن دعم المجتمع والأهالي والقطاع الخاص، وهو ما دعا إليه المتحدث باسم الوزارة صادق الخضور حين أكد أن استمرارية التعليم في هذه الظروف الصعبة هي مسؤولية وطنية جماعية وليست مقتصرة على الوزارة وحدها.
تحديات غير مسبوقة
يقف العام الدراسي الجديد على أعتاب تحديات غير مسبوقة، حيث يتجاور مشهد مدارس الضفة التي تستعد بصعوبة لفتح أبوابها، مع واقع غزة التي تفتقد حتى لمكان آمن يتيح لطلابها الجلوس على مقعد دراسي. وبينهما أزمة مالية خانقة تهدد قدرة المؤسسات التعليمية على الاستمرار. ومع ذلك، فإن إصرار الوزارة على المضي قدماً في خططها يعكس رسالة صمود واضحة: أن التعليم سيظل أولوية فلسطينية مهما اشتدت الحرب وتكاثفت الأزمات.







