يعيش الفلسطينيون في الضفة الغربية، وتحديدًا في محيط القدس ورام الله، تحت واقع متصاعد من الحصار والقيود العسكرية التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي، وقد تضاعفت وطأته بعد العملية التي وقعت عند مفترق راموت في القدس وأدت إلى مقتل خمسة إسرائيليين وإصابة نحو عشرين آخرين. منذ الساعات الأولى التي تلت العملية، تحركت قوات الاحتلال بفرض حصار شامل على أربع قرى فلسطينية شمال القدس هي قطنا وبيدو وبيت عنان وبيت دقو، في محاولة لعزلها عن محيطها وربطها مباشرة بالتحقيقات الجارية. هذا المشهد ليس جديدًا على الضفة الغربية التي تعيش منذ عامين في ظل أكثر من ألف حاجز وبوابة حديدية تعيق حياة الفلسطينيين وتحوّل التنقل بين القرى والمدن إلى معاناة يومية.
حصار الضفة
الحصار المفروض لا يقتصر على تعطيل حرية الحركة، بل يضرب في عمق تفاصيل الحياة اليومية للسكان. فالعامل الذي يحتاج للوصول إلى عمله في رام الله أو القدس قد يعلق لساعات على الحواجز، والطالب الذي يسعى إلى جامعته قد يُجبر على العودة من منتصف الطريق، بينما يتحول أي طارئ صحي إلى سباق مع الزمن بين الحواجز العسكرية التي لا تعترف بحالات إنسانية. وفي القرى التي أعلن الاحتلال محاصرتها مؤخرًا، تتضاعف المعاناة؛ إذ يُمنع دخول المواد الأساسية، وتتأثر سلاسل التوريد الغذائية، فيما تصبح حركة سيارات الإسعاف أو الأطباء خاضعة لإذن الجنود على المداخل.
اقتصاديًا، يشكل هذا الحصار المتجدد امتدادًا لسياسات ممنهجة أرهقت الضفة الغربية. فمنذ عامين يشهد الاقتصاد الفلسطيني تدهورًا حادًا نتيجة القيود على الحركة، إضافة إلى أزمة الرواتب التي تعصف بالقطاع العام، وانكماش فرص العمل. ومع كل عملية أو حدث أمني، تعيد إسرائيل إنتاج نفس المشهد: إغلاق، تفتيشات، اعتقالات، ومداهمات، لتصبح حياة الناس رهينة عقوبات جماعية لا تميّز بين مدني ومطلوب.
سياسات التهجير الناعمة
في القدس، حيث وقعت العملية الأخيرة، يزداد الطوق الإسرائيلي قسوة. المقدسيون يعيشون بين مطرقة الاعتقالات اليومية وسندان التضييق على البناء والإقامة وفرض الضرائب الباهظة. التنقل في المدينة مشروط ببطاقات وتصاريح، والوجود الفلسطيني مهدد بسياسات التهجير الناعمة التي تهدف لتقليص أعدادهم مقابل تعزيز الاستيطان. المشهد اليومي في القدس يظهر بوضوح حجم الفجوة: أحياء فلسطينية تعاني من الإهمال والحرمان، تقابلها مستوطنات مزدهرة متصلة ببنية تحتية متطورة.
المأساة أن هذا الواقع أصبح مألوفًا للفلسطينيين، حتى أن الأطفال يكبرون وهم يحفظون أسماء الحواجز أكثر مما يحفظون أسماء الشوارع. حصار القرى، وتقييد الحركة، والعيش في ظل تهديد دائم بالاقتحام أو الاعتقال، كلها تحوّل الحياة إلى سلسلة من المعارك الصغيرة التي يخوضها الناس يوميًا للبقاء والصمود. وبينما يبرر الاحتلال إجراءاته بدواعي “الأمن”، تبقى الحقيقة على الأرض أن مجتمعًا بأكمله يُعاقب جماعيًا، وأن الحياة اليومية للفلسطينيين في القدس والضفة الغربية تحولت إلى اختبار مستمر للقدرة على الصمود في وجه منظومة حصار محكمة تتسع يومًا بعد يوم.







