تكشف الأرقام الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في اليوم العالمي لمحو الأمية عن إنجاز لافت على مستوى المجتمع الفلسطيني، إذ سجّلت فلسطين واحداً من أدنى معدلات الأمية في العالم بنسبة 2.1% فقط بين الأفراد في سن الخامسة عشرة فأكثر خلال العام 2024. هذا المعدل يضع فلسطين في موقع متقدم مقارنة مع متوسط الأمية في دول غرب آسيا وشمال إفريقيا الذي بلغ 19% عام 2022، بل وحتى بالمعدل العالمي البالغ 13% للفئة العمرية نفسها.
نسبة الأمية
ورغم التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها الفلسطينيون تحت الاحتلال، إلا أن التعليم ظلّ من أبرز أولويات المجتمع، بوصفه أداة بقاء وصمود، ووسيلة للارتقاء الاجتماعي والاقتصادي. وهذا ما يظهر جلياً في تقلص الفجوة بين الذكور والإناث في معدلات الأمية، حيث انخفضت نسبة الأمية بين الذكور في الضفة الغربية من 7.3% عام 1997 إلى 0.9% عام 2024، كما تراجعت بين الإناث من 21.1% إلى 3.3% في الفترة نفسها. هذا التحسن يعكس استثماراً متواصلاً في تعليم الفتيات، وارتفاعاً في وعي الأسر الفلسطينية بأهمية المساواة في فرص التعلم.
غير أن هذه المكاسب لا تخفي التحديات التي ما زالت قائمة في بعض الفئات العمرية. فبينما حققت الفئة الشابة (15–29 سنة) نسبة أمية شبه معدومة لا تتجاوز 0.6%، ظل كبار السن (65 سنة فأكثر) يشكلون النسبة الأكبر من الأميين بواقع 18.3%. هذا الفارق يعكس أثر التحولات التاريخية، إذ نشأ الجيل الأكبر سناً في ظروف صعبة، قبل أن تتوسع شبكات التعليم في الأراضي الفلسطينية وتتراجع عوائق الالتحاق بالمدارس.
ساحات الصمود الفلسطيني
كما يكشف التقرير عن تفاوت طفيف بين أنماط السكن، حيث بلغت نسبة الأمية في التجمعات الريفية 2.4% مقابل 2.0% في التجمعات الحضرية و1.9% في المخيمات. هذا التباين المحدود يوحي بأن البنية التعليمية الفلسطينية نجحت إلى حد بعيد في الوصول إلى مختلف المناطق، رغم القيود المفروضة على الحركة والإمكانيات المحدودة.
تجربة فلسطين في تقليص معدلات الأمية تمثل قصة نجاح استثنائية في منطقة ما تزال تواجه فيها مجتمعات عديدة تحديات جذرية في هذا المجال. وهي قصة تستند إلى إصرار الأفراد والأسر على التعليم كقيمة وطنية وثقافية، أكثر مما تستند إلى توفر الظروف المثالية. ورغم الضغوط السياسية المستمرة، يظل التعليم ساحة من ساحات الصمود الفلسطيني، ودليلاً على أن الاستثمار في المعرفة والإنسان قادر على تجاوز حدود الحصار والعقبات.







