تشير المعطيات الميدانية القادمة من قطاع غزة إلى استمرار العدوان الإسرائيلي بوتيرة عالية، حيث تتوالى الغارات الجوية على الأحياء السكنية ومناطق تجمع المدنيين، مخلفة عشرات الشهداء والمصابين يومياً، دون أي أفق سياسي أو إنساني يلوح في الأفق. خلال الساعات الـ24 الماضية فقط، استقبلت المستشفيات في القطاع 77 شهيداً و265 مصاباً، لترتفع بذلك حصيلة الحرب المستمرة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى ما يقرب من 66 ألف شهيد وأكثر من 167 ألف جريح، معظمهم من النساء والأطفال.
أزمة إنسانية غير مسبوقة
اللافت في الهجمات الأخيرة أنها تستهدف بشكل متزايد منازل المدنيين ومراكز تجمع طالبي المساعدات، في وقت يعاني فيه القطاع من انهيار شبه كامل في منظومته الصحية والإنسانية. وفي حي التفاح شمال شرقي مدينة غزة، سقط عشرة شهداء في قصف استهدف منزلاً مأهولاً. وفي مخيم الشاطئ، سُجلت مجزرة أخرى راح ضحيتها ستة شهداء، بينما شهد حي الرمال قصفاً لشقة تؤوي نازحين، ما يشير إلى أن خطوط التمييز بين المدني والعسكري قد تآكلت تماماً في عقلية المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
التصعيد العسكري لا يستثني حتى مناطق تجمع المساعدات الإنسانية، إذ سُجل استشهاد فلسطيني وإصابة آخرين قرب محور نتساريم، إضافة إلى إصابة عشرة آخرين شمالي رفح، بينما كانوا ينتظرون المساعدات في ظل أزمة إنسانية غير مسبوقة في التاريخ الحديث. يُضاف ذلك إلى ما تُسجله تقارير وزارة الصحة من وفيات بسبب الجوع، والتي بلغت حتى الآن 442 ضحية، بينهم 147 طفلاً، وهو ما يضع ملف المجاعة في سياق جرائم الحرب المتكاملة الأركان.
الدعم الأميركي غير المشروط
تظهر هذه الأرقام طبيعة العدوان بوصفه عملية استنزاف جماعي وممنهج للسكان الفلسطينيين في قطاع غزة، وليست مجرد حملة عسكرية تقليدية محدودة الهدف أو المدى الزمني. وفي ظل الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل، يطرح المشهد تساؤلات جوهرية حول حدود الشرعية الدولية ومصداقية النظام العالمي في مواجهة ما يوصف بالإبادة الجماعية الجارية.
التحولات في لغة الخطاب السياسي لبعض الأطراف الدولية، التي بدأت تنتقد سلوك الحكومة الإسرائيلية ولو بخجل، لم تنعكس حتى الآن على الأرض. فلا وقفاً لإطلاق النار، ولا آلية دولية لحماية المدنيين، ولا ضمانات لإيصال المساعدات الإنسانية دون استهداف. في الوقت ذاته، تغيب أية مساءلة حقيقية داخل إسرائيل عن نتائج الحرب أو عن مآلاتها، في ظل حكومة يمينية متطرفة، ترى في استمرار العمليات العسكرية وسيلة للبقاء السياسي وتجنب المحاسبة الداخلية.
تدمير ممنهج للبيئة
الوضع الإنساني بات كارثياً بكل المقاييس، وسط حصار خانق، وانهيار بنى تحتية، وتدمير ممنهج للبيئة السكنية والخدمية. لكن الأخطر من ذلك أن الحرب تتحول تدريجياً إلى حالة تطبيع إقليمي ودولي، تُغلف بالحديث عن “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، في الوقت الذي يُباد فيه شعب بأكمله دون رادع.
كل ما سبق يؤشر إلى أن قطاع غزة يواجه عدواناً مركباً: عدوان عسكري مباشر، وعدوان إنساني عبر الحصار والتجويع، وعدوان سياسي عبر الصمت الدولي. وهي ثلاثية تُرسّخ واقعاً دموياً جديداً في المنطقة، سيكون من الصعب تجاوزه دون كلفة باهظة على الجميع.







