تشير الحملة الواسعة من الاعتقالات التي نفذتها جماعة الحوثي في محافظة ذمار إلى مرحلة جديدة من القمع المنهجي الذي تمارسه الجماعة في مناطق سيطرتها، وهي مرحلة تحمل دلالات سياسية وأمنية عميقة ترتبط بمخاوف داخلية من تصاعد الرفض الشعبي، وبمحاولة إعادة إحكام القبضة على المجتمع اليمني في ظل تآكل شرعية الجماعة وتراجع نفوذها السياسي والاقتصادي. فالاعتقالات التي طالت أكاديميين وتربويين وطلاباً وتجاراً وأئمة مساجد ليست مجرد رد فعل أمني، بل تمثل خطوة وقائية تهدف إلى ترهيب المجتمع وإخماد أي بذور معارضة محتملة في بيئة بدأت تتململ من سيطرة الحوثيين.
تأتي هذه الحملة في لحظة سياسية حرجة بالنسبة للجماعة، حيث تواجه ضغوطاً داخلية متزايدة ناجمة عن الأزمة الاقتصادية الخانقة وانقطاع المرتبات وتفاقم معاناة المواطنين، إضافة إلى التراجع الكبير في مواردها بعد تقلص عمليات التهريب وضعف الدعم المالي الخارجي. لذلك تلجأ الجماعة إلى القمع كأداة لإعادة فرض الانضباط الاجتماعي في مناطق بدأت تشهد مظاهر رفض متزايدة، سواء عبر الاحتجاجات الصامتة أو الامتناع عن التجنيد أو الانتقادات العلنية لسلوك قياداتها. من هنا، يمكن قراءة الاعتقالات كجزء من استراتيجية الحوثيين لإعادة فرض السيطرة النفسية على السكان قبل أن يتحول الغضب الشعبي إلى حركة منظمة تهدد سلطتهم.
أزمة شرعية حادة
سياسياً، تكشف الانتهاكات الأخيرة عن هشاشة الوضع الداخلي للجماعة التي تحاول الظهور بمظهر الدولة المتماسكة في صنعاء، لكنها في الواقع تواجه أزمة شرعية حادة. فبدلاً من بناء قاعدة دعم اجتماعي قائمة على الخدمات والتنمية، تعتمد الجماعة على أسلوب “الهيمنة القسرية”، أي الإخضاع عبر الخوف. هذه السياسة، وإن نجحت مرحلياً في إسكات المعارضين، إلا أنها تزيد من عزلة الجماعة داخلياً، وتجعلها أكثر عرضة للانفجار الشعبي أو للانقسامات الداخلية بين أجنحتها العسكرية والسياسية.
من زاوية أخرى، تمثل حملة ذمار رسالة موجهة أيضاً إلى القوى الإقليمية والدولية، مفادها أن الحوثيين ما زالوا يملكون السيطرة الميدانية في مناطقهم، وأن أي مفاوضات سلام لا يمكن تجاوزهم فيها. فالقمع الداخلي هنا يصبح وسيلة تفاوض غير مباشرة، هدفها إثبات أن الجماعة قادرة على فرض الأمن بالقوة، وأنها الطرف الوحيد القادر على “ضبط الشارع” في الشمال اليمني. هذه الرسالة تأتي بالتزامن مع مساعٍ أممية لإحياء مسار التسوية السياسية، ما يجعل الجماعة تستخدم أدواتها القمعية كورقة ضغط في الوقت ذاته الذي تقدم فيه نفسها كسلطة أمر واقع.
تغيير معادلة الأمن الإقليمية
أما على المستوى الدولي، فإن إمكانية تدخل القوى الكبرى أو الأمم المتحدة لإنقاذ اليمن من هذا المسار تبدو محدودة في المدى القصير. فالمجتمع الدولي منشغل بصراعات إقليمية ودولية أكبر، كما أن الموقف تجاه الحوثيين لا يزال محكوماً بالتوازنات السياسية بين إيران والسعودية، وبالمفاوضات الجارية حول مستقبل الأمن في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. ورغم الإدانات الحقوقية المتزايدة، فإن غياب آلية تنفيذية ملزمة يجعل التدخل الخارجي يقتصر على الضغوط الدبلوماسية أو العقوبات الرمزية، من دون أن يُترجم إلى حماية حقيقية للمدنيين.
ومع ذلك، يمكن القول إن تصاعد الانتهاكات قد يدفع بعض القوى الدولية إلى إعادة تقييم موقفها من الجماعة، خصوصاً إذا ترافقت الاعتقالات مع انتفاضات محلية أو انهيار أمني واسع في مناطق الحوثيين. فمثل هذا السيناريو سيجعل الاستقرار في اليمن جزءاً من المعادلة الإقليمية للأمن في الخليج والبحر الأحمر، ما قد يفتح الباب أمام تدخل أوسع، سواء عبر الأمم المتحدة أو عبر تحالفات إقليمية تحت مظلة إنسانية أو أمنية.
مأزق الجماعة السياسي
ما يجري في ذمار ليس حدثاً محلياً معزولاً، بل مؤشر على طبيعة النظام الذي ترسخه جماعة الحوثي في مناطق سيطرتها، نظام يقوم على الخوف والتكميم والسيطرة المطلقة على المجتمع. هذه السياسة تعكس مأزق الجماعة السياسي وفقدانها القدرة على إدارة التوازن بين القوة والقبول الشعبي. وإذا استمرت هذه الممارسات في ظل صمت المجتمع الدولي، فإن اليمن يسير نحو مرحلة أكثر ظلاماً، تُختزل فيها السلطة في قبضة أمنية ضيقة، بينما يبتعد السلام أكثر فأكثر عن متناول شعبٍ يرزح تحت القهر والجوع والعزلة.







