تشير الحصيلة الجديدة التي نقلتها وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا) عن المصادر الطبية إلى استشهاد 99 فلسطينياً خلال أربعٍ وعشرين ساعة فقط من الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة، معظمهم في شمال القطاع، وهو ما يعكس الطبيعة الكثيفة والواسعة للهجمات خلال هذه الفترة. وتوزع القتلى على عدة مستشفيات كبرى، في مقدمتها مستشفى الشفاء الذي استقبل وحده 48 جثماناً، إلى جانب مستشفى الأهلي العربي (المعمداني) بـ20 جثماناً، فيما استقبلت مستشفيات القدس والسرايا والعودة وشهداء الأقصى وناصر بقية الضحايا، بما يوضح حجم الكارثة الإنسانية وتوزعها على مختلف مناطق القطاع.
تعمد ضرب البنية المجتمعية
تُظهر طبيعة الأهداف التي جرى استهدافها—من خيام للنازحين إلى منازل وأبراج سكنية، فضلاً عن تجمعات للمدنيين ومواقع انتظار المساعدات—أن النمط العملياتي للاحتلال يتجاوز فكرة “الأهداف العسكرية” المزعومة إلى ما يمكن اعتباره سياسة استنزاف منظم للمجتمع المدني في غزة. فالهجمات على أماكن يفترض أن تكون ملاذاً آمناً للنازحين، أو على تجمعات ينتظر فيها السكان الحصول على مساعدات إنسانية، تطرح تساؤلات جدية حول تعمد ضرب البنية المجتمعية والحياة المدنية كأسلوب ضغط جماعي.
الاستهداف المكثف للمدنيين لا يمكن قراءته فقط باعتباره نتاج “أخطاء عارضة”، بل يكشف عن استراتيجية متكررة، إذ غالباً ما يُستخدم التذرع بوجود مقاومين أو بنية تحتية عسكرية في المناطق المستهدفة لتبرير القصف، رغم أن المعطيات الميدانية تؤكد سقوط أعداد هائلة من النساء والأطفال. ويدلل ذلك على أن حسابات الردع التي يعتمدها الاحتلال تقوم على إيصال رسائل عبر التضحية بمئات الأرواح، في محاولة لتجريد المجتمع الفلسطيني من مقومات الصمود.
واقع من الرعب الجماعي
من الناحية الإنسانية، لا تقتصر تداعيات هذه السياسة على ارتفاع أعداد القتلى فحسب، بل تشمل أيضاً تفاقم الضغط على النظام الصحي الذي ينهار تحت وطأة استقبال عشرات الجثامين والمصابين يومياً، وسط شح كبير في المعدات الطبية والقدرة الاستيعابية. هذا الانهيار يضاعف حجم المأساة، إذ يتحول الاستهداف المتعمد للمدنيين إلى وسيلة مركبة: فهو يقتل الضحايا بشكل مباشر، ويدفع من ينجو منهم إلى مواجهة مصير آخر في بيئة صحية عاجزة عن إنقاذهم.
يعكس هذا المشهد ملامح سياسة متعمدة لفرض واقع من الرعب الجماعي، يهدف إلى تدمير البنية الاجتماعية والنفسية للفلسطينيين في غزة. ومع تكرار مثل هذه الغارات ضد المدنيين في أماكن الإيواء وانتظار المساعدات، تتكرس صورة الحرب باعتبارها حرب إبادة بطيئة تستهدف الإنسان أولاً، قبل أي هدف عسكري معلن.







