منذ السابع من أكتوبر 2024، دخل قطاع غزة مرحلة مظلمة من تاريخه الحديث، مرحلة قد يتطلب تجاوزها أكثر من عقدٍ كامل لاستعادة الحد الأدنى مما كان عليه قبل اندلاع الحرب الأخيرة. الدمار الشامل للبنية التحتية، الانهيار الاجتماعي والاقتصادي، والخسائر البشرية الفادحة كلها مؤشرات على حجم المأساة التي ألمت بغزة، وجعلتها في حاجة إلى جهود إعمار شاقة وطويلة الأمد. وفي ظل هذه الظروف، تبرز تساؤلات جوهرية عن المسؤوليات المباشرة وغير المباشرة، خصوصًا فيما يتعلق بقرار حركة حماس خوض مغامرة كلفت الغزيين ثمناً باهظًا.
الإعمار: المبادرة المصرية والفرصة الضائعة
في الأيام الأولى بعد وقف إطلاق النار، كانت هناك بوادر أمل عبر المبادرة المصرية لإعادة إعمار غزة، والتي طرحت تصورًا متكاملاً يقوم على تشكيل حكومة تكنوقراط مستقلة تتولى الإشراف على عملية الإعمار بدعم إقليمي ودولي. كانت مصر تراهن على إيجاد مخرج يحفظ ماء وجه جميع الأطراف ويعيد غزة تدريجيًا إلى الحياة.
غير أن حركة حماس رأت في هذا الطرح تهديدًا لسيطرتها المطلقة على القطاع، واعتبرته في نظر بعض قياداتها تنازلاً عن “انتصار” أرادت أن تبني عليه مجدًا سياسيًا وعسكريًا، حتى ولو كان ذلك على حساب آلام الشعب الذي مزقته الحرب.
بحسب تقارير نشرها موقع “ميدل إيست آي” (2024)، فإن المقترح المصري تضمن التزامات عربية بمليارات الدولارات لإعادة إعمار القطاع على مراحل، تبدأ بإغاثة عاجلة وتنتهي بإنعاش الاقتصاد المحلي، شرط تحييد أي تدخل سياسي أو عسكري من الفصائل المسلحة. ووفق شهادة دبلوماسي غربي لموقع “رويترز“ (2024)، فإن “الفرصة كانت حقيقية، لكن حماس اختارت التصعيد السياسي والإبقاء على احتكارها للسلطة على حساب معاناة المدنيين”.
حماس بين حلم “التحرير” ومأساة الواقع
من وجهة نظر حركة حماس وأنصارها، ما جرى في أكتوبر لم يكن سوى “فاتورة التحرير”، إذ يرون أن مقاومة الاحتلال الإسرائيلي تقتضي بالضرورة تضحيات جسيمة، وأن كل الحروب التاريخية التي أفضت إلى التحرر كانت مكلفة ودموية.
أحد القادة البارزين في الجناح السياسي لحماس، إسماعيل رضوان، قال في مقابلة مع قناة “الجزيرة مباشر” (نوفمبر 2024):
“الشعوب لا تتحرر بالورود. ما قدمه شعبنا من دماء ودمار هو الثمن الطبيعي لحلم الحرية، ولا بد أن ندفعه مهما كان باهظًا.”
في هذا السياق، يرى أنصار حماس أن معركة أكتوبر لم تكن خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة وجودية لضمان ألا تتحول غزة إلى مجرد جيب خاضع للإملاءات الإسرائيلية والمصرية معًا.
أصوات من داخل غزة: الألم والغضب
في المقابل، ومن قلب غزة المنكوبة، ترتفع أصوات أخرى تندد بما وصفته بـ”المغامرة الكارثية”. الصحفي الغزي سامي أبو سلمية كتب عبر صفحته على “فيسبوك” (يناير 2025):
“حماس لم تأخذ رأي الناس حين قررت إدخالنا في جحيم الحرب. لم تسأل الأطفال الذين ماتوا جوعًا تحت الركام. لم تسأل الأمهات اللائي فقدن أبناءهن. من يدفع الثمن هم الفقراء، لا قادة الفصائل الذين يجلسون في ملاجئ آمنة.”
وتقول أم محمد، وهي أرملة فقدت زوجها وأطفالها الثلاثة في قصف على حي الشجاعية، خلال لقاء مع وكالة “فرانس برس” (ديسمبر 2024):
“نحن لا نبحث عن انتصارات، كنا نبحث عن حياة كريمة فقط. لا نريد مزيدًا من المجد المصنوع فوق جثث أبنائنا.”
الحاجة إلى عشر سنوات… وربما أكثر
تقديرات البنك الدولي (تقرير صادر في مارس 2025) تشير إلى أن إعادة إعمار البنية التحتية الحيوية في غزة – من شبكات مياه وكهرباء ومستشفيات ومدارس – قد تستغرق ما لا يقل عن عشر سنوات، إذا توافرت بيئة سياسية مستقرة وتدفق منتظم للتمويل الدولي. أما إذا استمرت حالة الانقسام والاحتكار السياسي، فإن هذه المدة قد تطول إلى أجل غير مسمى.
وعلاوة على ذلك، يرى الخبير الاقتصادي الفلسطيني محمد أبو جياب أن “الإعمار لا يعني فقط إزالة الركام، بل يتطلب استعادة النسيج الاجتماعي والثقة بين الناس، وهما أمران تحطما خلال الحرب الأخيرة”، بحسب تصريحاته لموقع “العربي الجديد” (فبراير 2025).
دروس قاسية لم تُستوعب بعد
ما حدث في غزة ليس مجرد كارثة عابرة بل مأساة معقدة، تُظهر بوضوح كيف أن القرارات السياسية غير المدروسة قد تدفع بشعبٍ كامل إلى حافة الهاوية. المبادرة المصرية كانت يمكن أن تفتح نافذة أمل، ولكن الرغبة في صنع المجد الشخصي غلبت العقلانية. وبينما تحتدم المعركة بين من يبررون الكارثة باسم التحرر، ومن يلعنونها بوصفها مقامرة دمرت ما تبقى من أحلام الحياة، تبقى غزة معلقة بين أنقاض حربٍ جديدة… وجراحٍ قد لا تندمل لعقود.







