منذ اندلاع الحرب الأخيرة على قطاع غزة في أعقاب هجوم السابع من أكتوبر 2023، بات استهداف عائلة يحيى السنوار، الشخصية الأبرز في قيادة حركة «حماس»، واحداً من الأهداف الثابتة في الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية.
يحيى السنوار، الذي قُتل في أكتوبر 2024 وفق ما أعلنته إسرائيل، لم يكن مجرد قائد سياسي أو عسكري، بل كان رمزاً معنوياً لهجوم 7 أكتوبر، وصاحب نفوذ عميق داخل البنية القيادية والتنظيمية لحركة حماس. لكن السؤال الأهم الذي يُطرح اليوم هو: هل يهدد القضاء على عائلة السنوار وجود حماس نفسها؟
البُعد الرمزي مقابل البُنية التنظيمية
عائلة السنوار، من خلال تمركزها في خان يونس ومناطق وسط القطاع، لم تكن فقط محوراً عائلياً، بل أصبحت قوة عسكرية. استهداف منزل بعد آخر، وقتل أفراد العائلة من الدرجات الأولى والثانية، بما في ذلك أبنائهم وأصهارهم، كما حدث مع الدكتور زكريا السنوار وأبنائه، يحمل بُعداً رمزياً يرمي إلى تحطيم صورة “العصية على الانكسار” التي حاولت حماس ترسيخها منذ سنوات.
ومع ذلك، فإن القضاء على عائلة السنوار لا يعني، بالضرورة، انهيار كيان حماس. فالحركة لم تُبْنَ على فرد أو عائلة، بل هي تنظيم عقائدي، لقد سبق أن فقدت الحركة شخصيات بارزة مثل أحمد ياسين، عبد العزيز الرنتيسي، إسماعيل أبو شنب وغيرهم، واستمرت في الصعود. لكن الفارق هنا أن الهجوم الإسرائيلي الأخير ركّز على تفكيك النسيج العائلي للقيادة، في محاولة واضحة لتجفيف منابع الاستمرارية والوراثة القيادية.
استنزاف المعنويات
استهداف العائلة بهذا الشكل المكثف ربما يُضعف البنية النفسية والداعمة داخلياً لقيادة حماس، ويُحدث فراغات اجتماعية كانت تؤدي أدواراً في الحفاظ على هيبة القيادات وربطها بالشعب. فالعائلات الكبيرة مثل عائلة السنوار تلعب دوراً مزدوجاً: سياسي وتنظيمي من جهة، واجتماعي وقبلي من جهة أخرى، وهو ما يعني أن هذا الاستهداف الممنهج يُفكّك شبكة الأمان الاجتماعي حول القيادة.
تعنّت حماس في المفاوضات
من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل حقيقة أن حماس، رغم الخسائر الفادحة في الأرواح والبنية التحتية، لا تزال تتبع نهجاً متشدداً في المفاوضات، سواء في ملف وقف إطلاق النار أو تبادل الأسرى. هذا الموقف، وإن كان يُفسَّر بأنه محاولة لتحسين شروطها السياسية، إلا أنه يُنظر إليه من شريحة واسعة من الفلسطينيين وحتى من المراقبين الدوليين، على أنه تعنّت يُدفع ثمنه من دماء المدنيين.
الغريب في الأمر أن قيادة حماس، التي تتلقى ضربات متتالية – ومنها محاولة اغتيال محمد السنوار، مهندس عملية 7 أكتوبر كما تصفه إسرائيل – لم تُظهر مرونة حقيقية تُوازي حجم المأساة الإنسانية المتفاقمة في غزة. فالوضع في القطاع وصل إلى حدٍّ كارثي، حيث يُقتل الأطفال والنساء يومياً، وتُقصف البيوت فوق رؤوس ساكنيها، فيما يزداد الغضب الشعبي من إصرار الحركة على استمرار المعركة رغم الفجوة الهائلة في ميزان القوة.
خيار المقاومة أم مقامرة؟
قرار حماس تنفيذ هجوم 7 أكتوبر، الذي أعاد إلى الواجهة أسئلة استراتيجية حول جدوى المقاومة المسلحة، بدا للبعض وكأنه مقامرة خطيرة، جاءت في توقيت بالغ التعقيد. فالحركة كانت تدرك مسبقاً أن الرد الإسرائيلي سيكون هائلاً ومدمّراً، وأن الخسائر المدنية ستكون فادحة، خاصة في بيئة مكتظة كقطاع غزة. لكن يبدو أن قيادة الحركة، مدفوعة بالحسابات الإقليمية وبعض الرهانات الدولية، ارتأت خوض المعركة حتى نهايتها، ولو على حساب الشعب.
اليوم، بعد أكثر من سبعة أشهر من الحرب، واستشهاد الآلاف من المدنيين، وتدمير معظم البنية التحتية، لم تعد التساؤلات تدور فقط حول “لماذا بدأت حماس المعركة؟” بل تحوّلت إلى “لماذا لا توقفها؟”، خصوصاً مع غياب أي أفق سياسي أو عسكري واضح للانتصار.
خسارة الدعم الشعبي
إسرائيل تنتهج تكتيك “القضم الرمزي” من خلال القضاء على رموز مثل السنوار وعائلته، في محاولة لهز الثقة داخل صفوف حماس، وكسر العلاقة بين الشعب والحركة. لكن القضاء على العائلة وحده لا يهدد وجود الحركة من الناحية التنظيمية، وإنما يضعها في تحدٍ وجودي آخر.
وفي هذا السياق، فإن تعنّت حماس، واستمرار الحرب على حساب المدنيين، ومراوغتها في المفاوضات، يمكن أن يُفضي، في المدى المتوسط، إلى خسارة دعمها الشعبي تدريجياً، وهو أخطر من استهداف قادتها أو عائلاتهم.







