تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي خطواتها الممنهجة نحو تهويد مدينة القدس المحتلة، عبر مشاريع استيطانية متسارعة تهدف إلى فرض وقائع ديموغرافية وجغرافية جديدة، تُقصي الفلسطينيين من مدينتهم وتُحكم السيطرة الإسرائيلية على محيط المسجد الأقصى، وعلى البلدة القديمة تحديدًا.
وفي هذا السياق، يُعلن الاحتلال عن مشروع جديد يتمثل في إنشاء نادٍ رياضي للمستوطنين داخل مستوطنة “معاليه هزيتيم” المقامة على أراضي حي رأس العمود ببلدة سلوان، إلى الجنوب من المسجد الأقصى، وهو مشروع لا يمكن فصله عن السياق الأشمل لحرب التهويد التي تُشن على المدينة منذ سنوات.
المشاريع الاستيطانية
اختيار موقع النادي – في قلب منطقة عربية ذات رمزية دينية وتاريخية عالية – لم يكن مصادفة. فبلدة سلوان تُعد الخاصرة الجنوبية الحامية للمسجد الأقصى، وهي من أكثر المناطق استهدافًا بالمشاريع الاستيطانية والتهجير القسري. والحديث عن “توفير فضاء آمن ورفاهية للشباب الإسرائيليين” في حي عربي مكشوف ومحاصر، ليس سوى تبرير وقح لعملية استعمارية متكاملة تهدف إلى تطبيع وجود المستوطنين في القدس الشرقية، ومنحهم شعورًا بالسيادة والشرعية داخل أحياء فلسطينية.
المشروع الرياضي، المقرر افتتاحه عام 2026، يأتي استكمالًا لمخطط بدأ منذ أكثر من عقدين في “معاليه هزيتيم”، وهي مستوطنة أُقيمت بالقوة عام 1997 بعد مصادرة أراضٍ فلسطينية من عائلة الغول، وتم توطين عشرات العائلات اليهودية فيها وسط أحياء عربية. المستوطنة تُعتبر اليوم واحدة من أدوات الاحتلال في التغلغل الجغرافي داخل النسيج السكاني الفلسطيني في القدس، وتستخدم لتعزيز سياسة “الاختلاط المفروض” التي تؤدي عمليًا إلى تضييق الخناق على الفلسطينيين في حياتهم اليومية ومساحاتهم العامة.
شرعنة رموز الاستعمار
لا يقف الأمر عند النادي فقط. قبل أيام فقط، افتتحت بلدية الاحتلال حديقة عامة جديدة تحمل اسم “موشيه أرنيس”، وهو شخصية عسكرية وسياسية متطرفة ارتبطت بمنظمة “إرغون” الصهيونية التي تورطت في ارتكاب مجازر خلال نكبة 1948. إقامة حديقة تحمل اسمًا كهذا على أرض فلسطينية محتلة ليس مجرد إحياء لذكرى شخصية، بل هو رسالة سياسية تحاول شرعنة رموز الاستعمار العنيف كجزء من المشهد الطبيعي للمدينة.
والأخطر، أن هذه الحديقة هي التاسعة منذ بداية الحرب على غزة في أكتوبر 2023، ما يعكس استغلال الاحتلال لانشغال العالم بالدمار في القطاع، لتنفيذ أكبر عملية تغيير جغرافي صامت في القدس. فبينما تُسلّط الأنظار على غزة، يجري تهويد القدس دون ضجيج، بأساليب ناعمة ظاهرًا، لكنها عميقة التأثير على المدى البعيد.
محو الهوية الفلسطينية
تحركات الاحتلال ليست عشوائية، بل هي جزء من منظومة تهويدية متكاملة، تشمل:
تكثيف بناء المستوطنات داخل الأحياء العربية.
إنشاء مؤسسات خدمية وثقافية ورياضية للمستوطنين لفرض الطابع الإسرائيلي.
تغيير أسماء الشوارع والساحات إلى أسماء عبرية ورموز صهيونية.
السيطرة على الفضاء العام وتقييد وجود الفلسطينيين فيه.
هذا التوسع لا يهدف فقط إلى محو الهوية الفلسطينية، بل أيضًا إلى تفريغ القدس من سكانها الأصليين بشكل تدريجي عبر القوانين المجحفة، وسياسات الهدم، وسحب الهويات، ورفض منح تصاريح البناء. كل ذلك يصبّ في هدف واحد: جعل القدس “عاصمة أبدية لإسرائيل” بأغلبية يهودية ساحقة، تمهيدًا لفرض هذا الواقع سياسيًا في أي مفاوضات مستقبلية.
عجز دولي شبه تام
ردّ الفعل الفلسطيني، سواء من محافظة القدس أو من الهيئات المقدسية، لا يزال محصورًا في البيانات والمواقف الإعلامية، في ظل عجز دولي شبه تام، وصمت الأمم المتحدة، وميوعة المواقف العربية. الاحتلال يستغل هذا الفراغ ليفرض واقعًا لا يمكن التراجع عنه لاحقًا، لأنه يعلم جيدًا أن “الانتصار على الأرض” لا يحتاج إلى قنابل بل إلى حفر، وملاعب، وحدائق، وجدران.
ما يجري في القدس اليوم هو تطهير هادئ، زاحف، ومستمر، لا يراه العالم إلا حين يصبح متأخرًا جدًا.







