غزة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، ليست مجرد عنوان في الأخبار، بل مرآة سوداء تعكس فشل الإنسانية في أحد أقسى اختبارات التاريخ الحديث. الحرب التي اندلعت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 لم تنتهِ، ولم تتوقف حتى عن لحظات هدنة حقيقية. كل يوم جديد يحمل معه عدادًا جديدًا من الشهداء، ومشهداً آخر من مشاهد الجوع، والقصف، والتشريد، والمرض، في قطاع لم يكن أصلاً يحتمل مزيداً من الكوارث.
الواقع في غزة تجاوز حدود المأساة إلى ما يشبه الخراب الكلي للمكان والإنسان. بأكثر من 53 ألف شهيد، و121 ألف مصاب، وفق إحصاءات وزارة الصحة في غزة، تصبح هذه الحرب، من حيث الكلفة البشرية، واحدة من أكثر الحروب دموية منذ عقود. لكن المأساة لا تُقاس فقط بالأرقام، بل بما تعنيه هذه الأرقام من أحلام مدمّرة، عائلات أُبيدت، ومدن أصبحت أطلالاً.
حصار ممنهج
من الناحية الميدانية، يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي استخدام أسلوب “الأرض المحروقة”، عبر غارات جوية مكثفة، واقتحامات برية تتوسع شمالًا وجنوبًا، ضمن ما يُعرف بعملية “عربات جدعون”. القصف لم يترك منطقة إلا وطالها، حتى المخيمات المؤقتة التي كان يُفترض أن تكون ملاذًا للنازحين، تحوّلت إلى أهداف مباشرة، ما أدى إلى سقوط المزيد من الضحايا من النساء والأطفال، في مشاهد تُجسد غياب أي خط فاصل بين العسكري والمدني في عقلية الاحتلال.
وفي قلب هذه الكارثة، يُطلّ الجوع كعدو آخر، ربما أكثر خبثاً من القصف، لأنه يُنهك دون صوت. أكثر من 1.1 مليون فلسطيني، بحسب تقارير الأمم المتحدة، باتوا على شفا المجاعة. إسرائيل، عبر حصارها الممنهج وإغلاقها المستمر للمعابر، تمنع دخول المساعدات الإنسانية المتكدسة منذ مارس/آذار، وتُمارس بذلك تجويعًا جماعيًا يُعد سلاح حرب محظورًا وفق القانون الدولي.
انتشار الأمراض ونقص المستلزمات الطبية
المنظومة الصحية في غزة أصبحت أثرًا بعد عين. أكثر من 80% من المنشآت الطبية دُمّرت، ومعظم المستشفيات خرجت من الخدمة، إما بفعل القصف المباشر، أو بسبب انعدام الوقود والمستلزمات الطبية. وسط هذا الانهيار، تسود أوبئة متعددة مثل الكوليرا والتيفوئيد، في بيئة مكتظة ومفتقرة لأدنى شروط النظافة والماء النقي. الأطباء يحذّرون من كارثة صحية شاملة تهدد ملايين الأرواح، في حين أن العالم يواصل صمته، ويتفرّج على الموت الجماعي وكأنه أمر اعتيادي.
الدمار لا يقتصر على المباني والمنشآت، بل طال النسيج الاجتماعي والنفسي لأهالي غزة. جيل جديد يُربّى على مشهد الأنقاض، وعلى وجوه ذابلة تطلب الخبز والماء، وعلى سؤال لا يهدأ: “هل من طعام؟”. أطفال بأجساد هزيلة، يطاردون رغيفًا لا يسدّ الجوع، ويتنقّلون بين المخيمات، لا هربًا من الحرب، بل من مشاهد الحرب المتكررة التي تطاردهم حتى في خيامهم.
صلابة الإرادة الفلسطينية
لكن بين كل هذا الألم، تبقى غزة شاهدة على صلابة الإرادة الفلسطينية. لم تطلب غزة شيئاً كبيرًا، لا معونات سخية ولا جيوشًا تنقذها. فقط تطلب أن تتوقف آلة القتل، أن تدخل المساعدات بلا شروط، وأن يُحاسب من يرتكب المجازر على مرأى من العالم. هي مطالب بسيطة، ولكنها في عالم اليوم، أصبحت أحلاماً مؤجلة تنتظر صحوة ضمير عالمي مفقود.
ما يزيد من فداحة المشهد هو أن هذا الخراب يتم وسط تواطؤ دولي واضح. الدول الكبرى، التي تُنظّر على مدار الساعة عن القيم والعدالة وحقوق الإنسان، تقف صامتة أمام المذبحة، إن لم تكن شريكة بالفعل عبر الدعم العسكري والسياسي للاحتلال. وحتى المؤسسات الدولية، التي يفترض أن تُحركها أبسط مؤشرات الانتهاك، اكتفت بالبيانات، بينما يموت الناس في غزة وهم ينتظرون تصريح عبور لشاحنة طحين.
غزة اليوم لا تموت فقط، بل تُعاقب على تمسّكها بالحياة، على مقاومتها، على صمودها في وجه مشروع الإبادة المنظم. ومع ذلك، تظل غزة تقول: “نحن هنا”، رغم الركام، رغم الطائرات، رغم المجاعة. فغزة ليست فقط ضحية، بل هي أيضًا






