في تطور يعكس هشاشة اتفاقات وقف إطلاق النار في الجنوب السوري، عادت مدينة السويداء، ذات الغالبية الدرزية، إلى واجهة المشهد الأمني من جديد، بعد أن تجددت الاشتباكات المسلحة بين قوات الجيش السوري ومجموعات وصفتها وزارة الدفاع بـ«الخارجة عن القانون»، رغم إعلان وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه مع وجهاء المدينة قبل أيام فقط.
قالت وزارة الدفاع السورية في بيان رسمي نقلته الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا)، صباح الأربعاء، إن «مجموعات مسلّحة» شنت هجمات على مواقع للجيش والأمن الداخلي داخل المدينة، مما اضطر القوات النظامية إلى الرد على مصادر النيران وفق قواعد الاشتباك المعتمدة.
وأكدت الوزارة أن قواتها «تمارس أقصى درجات ضبط النفس»، مشيرة إلى أن الرد يجري بشكل دقيق لتجنب إلحاق الأذى بالأهالي أو تعريض الممتلكات المدنية للخطر.
من وراء التصعيد؟
التجدد السريع للعنف في السويداء أثار تساؤلات حول الأطراف المتورطة في خرق الاتفاق، والجهات المستفيدة من تقويض الاستقرار الأمني في محافظة لطالما شهدت توتراً على خلفيات معيشية ومطلبية في السنوات الأخيرة، لكنها لم تكن طرفاً فاعلاً في النزاع المسلح كسائر مناطق سوريا.
وبحسب مصادر محلية، فإن بعض الفصائل المسلحة غير النظامية لا تزال ترفض التنسيق مع الدولة أو الانضواء تحت سلطتها، وتقوم بتحركات تهدد استقرار المدينة، في حين يرى مراقبون أن ضعف الثقة بين الطرفين يجعل أي اتفاق هدنة مهدداً بالانهيار في أي لحظة.
تعليمات صارمة للسكان
وزارة الدفاع، وفي بيانها، أهابت بأهالي المدينة البقاء في منازلهم والتعاون مع السلطات الأمنية، مطالبة المواطنين بالإبلاغ عن أي تحركات للمجموعات المسلحة داخل الأحياء.
كما شددت على أن الهدف من العمليات الجارية هو «إعادة الأمن والاستقرار، وضمان عودة الأهالي الذين اضطروا للنزوح جراء الاشتباكات الأخيرة».
المدينة بين مطرقة الفوضى وسندان التدخل العسكري
ويرى مراقبون أن السويداء باتت عالقة بين مطرقة الفوضى الأمنية الناتجة عن الفصائل غير المنضبطة، وسندان التدخل العسكري الذي يهدد بتوسيع رقعة المواجهات داخل المدينة، ويقوّض مساعي التهدئة التي بدأها أعيان محليون قبل أسابيع.
وكانت السويداء قد شهدت خلال الأشهر الماضية سلسلة من التحركات الاحتجاجية السلمية ضد تردي الأوضاع الاقتصادية وغياب الخدمات، قبل أن تتطور الأمور إلى اشتباكات مسلحة مع بعض المجموعات، ما استدعى تدخل الجيش.
وجهاء السويداء في موقف حرج
العودة إلى العنف تضع وجهاء وأعيان السويداء أمام اختبار صعب، بعدما شاركوا في التوسط للوصول إلى اتفاق وقف إطلاق النار الأخير، الذي وصف حينها بأنه “بارقة أمل” لعودة الهدوء إلى المدينة. ويخشى مراقبون أن تضعف هذه التطورات من موقعهم التفاوضي مستقبلاً، أو تدفع الأهالي إلى فقدان الثقة بأي مبادرات سلمية قادمة.
ويُضاف هذا التصعيد إلى سلسلة من التوترات التي يعيشها الجنوب السوري، من درعا إلى القنيطرة، في ظل أوضاع معيشية خانقة واحتقان شعبي متزايد، مقابل محاولات حكومية لإحكام السيطرة من خلال عمليات أمنية وعسكرية محدودة النطاق.
ويحذر خبراء من أن استمرار هذه الدورة من الهدن المؤقتة يليها العنف قد يدفع نحو مزيد من الفوضى، ما لم يتم التوصل إلى حلول دائمة تعالج جذور الأزمة، وتحقق شراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع المحلي.
هل تنجح التهدئة مجدداً؟
مع تجدد الاشتباكات، تبقى الأنظار معلقة على قدرة الطرفين – الدولة والفصائل المحلية – على إعادة إحياء مسار التهدئة، وسط مطالب متزايدة من المجتمع المدني بضرورة إنهاء عسكرة المدينة، والعودة إلى الحلول السلمية القائمة على الحوار والعدالة الاجتماعية.
حتى ذلك الحين، تبقى السويداء على صفيح ساخن، تترقب أي بادرة أمل لوقف حلقة العنف التي لم تنكسر بعد.






