تواصل الحكومة الإسرائيلية، بقيادة بنيامين نتنياهو وتحالفه اليميني المتطرف، الدفع قدمًا بالمخططات الاستيطانية في الضفة الغربية، في خطوة تُنذر بتداعيات جيوسياسية خطيرة، لا سيما في ظل استمرار الحرب في قطاع غزة والتوتر المتصاعد في الضفة. ويأتي مشروع فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، عبر تطوير منطقة E1 شرق القدس، كمحاولة صريحة لفرض واقع استيطاني جديد يُقوّض أي أمل بتسوية سياسية قائمة على مبدأ حل الدولتين.
منع التواصل الجغرافي بين المناطق الفلسطينية
وبحسب تقرير نشرته صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، قررت السلطات الإسرائيلية تفعيل المخطط الاستيطاني المجمد منذ عام 2021 في منطقة E1، التي تُعد نقطة استراتيجية بالغة الحساسية بين القدس الشرقية ومستوطنة “معاليه أدوميم”. ومن المقرر أن يبحث “المجلس الأعلى للتخطيط” التابع للإدارة المدنية، في السادس من أغسطس المقبل، الاعتراضات المقدمة على المشروع، ما يمثل نهاية المرحلة الرسمية للاعتراضات تمهيدًا لإقراره.
المشروع، الذي ظل مجمدًا لعقود منذ طرحه للمرة الأولى في التسعينات خلال حكومة إسحاق رابين، يهدف إلى إقامة 3412 وحدة استيطانية جديدة، موزعة على برنامجين تخطيطيين، ويمتد على مساحة 12 كيلومترًا مربعًا. ويتضمن المشروع إقامة بنية تحتية جديدة، أبرزها طريق التفافي يُحوّل مسار حركة المركبات الفلسطينية بعيدًا عن شارع رقم 1 – الطريق السريع الرئيسي الذي يربط القدس بمستوطنة “معاليه أدوميم” – ليصبح شبه مخصص للمستوطنين، في خطوة ترمي إلى تعزيز السيطرة الإسرائيلية على المنطقة ومنع التواصل الجغرافي بين المناطق الفلسطينية.
عزل التجمّع الحضري الفلسطيني
تكمن خطورة المشروع في أنه لا يقتصر على التوسع الاستيطاني فحسب، بل يُكرّس الفصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، ما يُحاكي الوضع الحالي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث تقبع الأراضي الفلسطينية تحت واقع الانقسام الجغرافي والسياسي. ووفقًا لخبراء ومصادر فلسطينية، فإن تنفيذ هذا المشروع سيؤدي إلى عزل التجمّع الحضري الفلسطيني الرئيسي الذي يربط رام الله والقدس وبيت لحم، وهو موطن لنحو مليون فلسطيني، مما يشكل خطرًا ديمغرافيًا وإنسانيًا، بالإضافة إلى تداعياته السياسية.
من جهة أخرى، يرى مراقبون أن توقيت إعادة تفعيل المشروع ليس اعتباطيًا، بل يأتي في ظل انشغال المجتمع الدولي بالحرب في غزة، حيث تستثمر الحكومة الإسرائيلية الأوضاع الأمنية الحالية لفرض وقائع على الأرض في الضفة. كما يشير البعض إلى أن نتنياهو يسعى عبر هذا المشروع إلى تعزيز دعم قاعدته اليمينية المتشددة، التي لطالما دعت إلى ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية وتوسيع المستوطنات، على حساب الحقوق الفلسطينية.
وفي سياق القانون الدولي، فإن مشروع E1 يُعد مخالفًا للقرارات الأممية واتفاقيات جنيف، باعتبار أن الاستيطان في الأراضي المحتلة غير قانوني، كما أن المشروع يُعرقل إمكانية إقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافيًا، وهو ما يُعد خرقًا لأسس “حل الدولتين” الذي يدعمه المجتمع الدولي. كذلك، حذّرت جهات أوروبية وأممية في مرات سابقة من أن تنفيذ المشروع من شأنه تقويض جهود السلام ودفع المنطقة نحو مزيد من التصعيد والعنف.
تغيير الطابع الجغرافي والسياسي للضفة الغربية
أما فلسطينيًا، فقد قُدمت اعتراضات رسمية ضد المشروع من سكان المنطقة، في محاولة لمنع تنفيذه، إلا أن التجربة تُظهر أن الآلية الإسرائيلية للاعتراضات لا تؤدي غالبًا إلى إلغاء المخططات بل تستخدم كغطاء شكلي لإضفاء صبغة قانونية على قرار سياسي معدّ سلفًا.
وفي المحصلة، يُعد مشروع E1 أكثر من مجرد توسع استيطاني؛ إنه خطوة استراتيجية نحو تغيير الطابع الجغرافي والسياسي للضفة الغربية، وعقبة مركزية أمام أي حل سياسي عادل ودائم. وبينما يتراجع العالم في متابعة تطورات الضفة الغربية بسبب تركيزه على غزة، تتحرك إسرائيل بخطى واثقة لتفكيك ما تبقى من التواصل الجغرافي الفلسطيني، وتحويل الضفة الغربية إلى كانتونات معزولة بلا أفق سياسي.







