تواصل مفاوضات الهدنة في غزة السير فوق خيط رفيع بين التفاؤل الحذر والانهيار المحتمل، في وقت تحيط بالمشهد عناصر متشابكة من الضغوط الدبلوماسية، والمكاسب السياسية، والتوازنات الميدانية التي تعيد رسم معادلة ما بعد الحرب. وبينما تؤكد قطر أن المفاوضات لا تزال “في مرحلتها الأولى”، تُظهر واشنطن قدراً من التفاؤل المدروس بقرب الاتفاق، وهو تفاؤل لا يبدو مدعوماً حتى الآن بقرارات حاسمة على الأرض.
الجمود في المشهد، رغم حركة الوسطاء المصريين والقطريين النشطة، يعكس ثلاثية مأزومة: أولها غياب ضغط أميركي فعلي على حكومة نتنياهو، وثانيها تعقيدات المشهد الداخلي الإسرائيلي الذي بات فيه رئيس الوزراء يخشى أن يكون أي تنازل بمثابة توقيع على نهاية ائتلافه، وثالثها تصلب موقف حركة «حماس» التي ترفض الخرائط الإسرائيلية للانسحاب باعتبارها لا تتسق مع تفاهمات سابقة، وتكرس واقعاً جديداً في الميدان من شأنه تفتيت القطاع وفرض عزلة جغرافية على رفح.
غزة المعزولة
وفي خلفية المفاوضات، يكمن سباق صامت بين الزمن السياسي والزمن الميداني. فعلى الجانب الإسرائيلي، تترقب الدوائر السياسية عطلة الكنيست المرتقبة بعد نحو أسبوعين، باعتبارها فرصة للاتفاق على هدنة دون الخوف من تصويت مفاجئ يُسقط الحكومة. أما على الجانب الفلسطيني، فهناك إدراك بأن أي هدنة تُبنى على أساس قبول بالوقائع الميدانية التي فرضتها إسرائيل بعد مارس الماضي، ستكون بمثابة تسليم بمشروع “غزة المعزولة” والتعايش مع خريطة تهجير ناعمة تحت غطاء المساعدات الإنسانية.
الملاحظ في التصريحات الأخيرة، خصوصاً ما جاء على لسان المتحدث باسم الخارجية القطرية، أن الجهد السياسي لا يزال في حالة تدوير للأفكار، لا في مرحلة بلورة نصوص نهائية. وهذا يعكس أن الهوة لا تزال واسعة، رغم ما تردده وسائل إعلام إسرائيلية عن خرائط انسحاب جزئي جديدة عرضتها حكومة نتنياهو، تشمل تقليصاً للوجود العسكري في جنوب غزة، لكنها لا تلبي الحد الأدنى من مطالب «حماس» بشأن الانسحاب الكامل إلى ما قبل وقف النار المنهار في مارس.
هشاشة حكومة الاحتلال
هذا التباين في تفسير الهدنة وحدودها الجغرافية والأمنية يفضح بوضوح طبيعة الصراع القائم: فالمفاوضات ليست فقط حول وقف النار، بل حول شكل غزة القادمة. هل ستكون غزة المتصلة، القابلة للحياة والمفتوحة على معبر حدودي مع مصر؟ أم ستكون غزة المقسّمة، المتروكة في حضن “مدينة إنسانية” تخدم كحاجز جغرافي وسكاني بحدود رمادية؟
تصعيد التوتر زادت حدته مع انسحاب حزب “يهدوت هتوراه” من حكومة نتنياهو، وهو انسحاب يضع الائتلاف على حافة الانهيار، دون أن يسقطه فعلياً. هذا الانقسام الداخلي في إسرائيل لا يعكس فقط هشاشة الحكومة، بل أيضاً حجم التناقضات داخل المجتمع السياسي الإسرائيلي، الذي يرى بعضه في الاتفاق المرتقب تهديداً لأجندته الدينية أو الأمنية، بينما يعتبره آخرون مخرجاً ضرورياً من المستنقع الغزّي.
في الوقت ذاته، يُظهر المشهد الإنساني في غزة مشاهد مأساوية يومية لا تنفصل عن طاولة المفاوضات. فكل يوم تأخير يعني مزيداً من القصف، وجثامين ملفوفة بالكفن، ودماء أطفال في المشرحة، وصمت دولي لا يزال عاجزاً عن وقف آلة الحرب. تلك الصور باتت تمارس ضغطاً أخلاقياً على الأطراف، لكنها لم تتحوّل بعد إلى ضغط سياسي حقيقي قادر على فرض تسوية.
ضغوط أميركية متأخرة
سيناريوهات المرحلة المقبلة تتراوح بين ثلاثة مسارات: الأول هو ضغوط أميركية متأخرة ولكن فعّالة تُفضي إلى اتفاق خلال أيام، والثاني هو تجميد المشهد بانتظار تحولات في الداخل الإسرائيلي مع عطلة الكنيست، والثالث هو الانهيار الكامل للمفاوضات، مع عودة إسرائيل إلى تصعيد ميداني مدعوم بتشدد سياسي داخلي، ورفض فلسطيني لفرض هدنة مشوهة المعايير.
المفاوضات في الدوحة ليست فقط حول هدنة، بل هي معركة على شكل الحل النهائي، وعلى ما إذا كانت غزة ستُكتب لها الحياة ككيان سياسي متكامل، أم تُقَسَّم إلى مناطق إدارية وأمنية تحت مسميات إنسانية. وبين هذا وذاك، يقف الوسطاء في سباق مع الزمن، وشعب غزة في مواجهة مفتوحة مع الموت والخذلان.







