في تطور مزدوج يعكس هشاشة الوضع الأمني في سوريا، أعلنت الحكومة السورية، أمس الأربعاء، التوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار في محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية، بالتزامن مع غارات جوية إسرائيلية استهدفت العاصمة دمشق، شملت مبنى وزارة الدفاع ومحيط القصر الرئاسي.
اتفاق لوقف النار في السويداء
نقلت وكالة الأنباء السورية عن مصدر في وزارة الداخلية أنه جرى التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في السويداء، يقضي بـنشر حواجز أمنية داخل المدينة ودمج المحافظة بشكل كامل ضمن مؤسسات الدولة.
ووفقا لصحيفة الشرق الأوسط، أكد الشيخ يوسف جربوع، شيخ عقل طائفة المسلمين الموحدين الدروز في سوريا، أنه تم التوصل إلى الاتفاق بموافقة الحكومة و«دار طائفة المسلمين الموحدين الدروز»، وبحضور الشيخ حمود الحناوي.
إلا أن الاتفاق لم يحظَ بإجماع داخل الطائفة، إذ أعلن الشيخ حكمت الهجري رفضه له، مشدداً على أن القتال سيستمر حتى ما وصفه بـ«تحرير كامل السويداء»، في إشارة إلى رفض الوجود العسكري الحكومي في المدينة.
انسحاب للقوات الحكومية
وبالتوازي مع الإعلان عن الاتفاق، بدأت وحدات من الجيش السوري الانسحاب من مواقعها داخل ومحيط المدينة، وسط ترحيب مشروط من بعض الفصائل المحلية، التي رأت في الخطوة مؤشراً على بداية جدية لخفض التصعيد، لكنها حذّرت من محاولات التفاف لاحقة.
ويُعد هذا الانسحاب، إن اكتمل، تطوراً لافتاً في ظل المواجهات التي اندلعت خلال الأسابيع الماضية، وأسفرت عن مقتل أكثر من 160 شخصاً وإصابة المئات، وفقاً لتقارير حقوقية سورية.
إسرائيل تقصف دمشق
في خضم هذه التطورات، نفّذ الطيران الحربي الإسرائيلي غارات مكثفة فجر الأربعاء على مواقع في العاصمة دمشق، طالت مبنى وزارة الدفاع ومحيط القصر الرئاسي، في واحدة من أعنف الهجمات منذ أشهر.
وأكدت مصادر أمنية سورية أن القصف ألحق أضراراً جسيمة بالبنية التحتية للمقرات المستهدفة، بينما لم تُعلن السلطات الرسمية بعد عن حجم الخسائر البشرية أو تفاصيل إضافية.
الهجوم الإسرائيلي يُعد رسالة قوية في توقيت حساس، خصوصاً في ظل التحركات السورية في الجنوب، والتي تعتبرها تل أبيب تهديداً محتملاً مرتبطاً بمحور طهران – دمشق – حزب الله.
تحرك أميركي للتهدئة
من جهتها، دخلت الولايات المتحدة على خط الأزمة، حيث دعت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية، تامي بروس، إلى تهدئة الأوضاع في الجنوب السوري، مطالبة الحكومة السورية بـ«سحب قواتها من السويداء، لفسح المجال أمام جهود خفض التصعيد».
وأضافت بروس أن واشنطن تتابع عن كثب تطورات الوضع الميداني، مشيرة إلى أن التصعيد الأخير قد يكون نتيجة «سوء فهم بين سوريا وإسرائيل»، في إشارة إلى الضربات الجوية الأخيرة.
مشهد معقد.. وهدوء مشروط
تعكس التطورات المتسارعة في الجنوب السوري والمشهد الدمشقي الراهن تعقيد الأوضاع السياسية والعسكرية في البلاد، وسط تداخلات إقليمية ودولية متزايدة.
فالسويداء، التي ظلت طوال سنوات الحرب السورية نسبياً بمنأى عن الصراع، باتت اليوم في قلب المعادلة الأمنية، بينما تتعرض دمشق لضربات مباشرة في وقت تحاول فيه الحكومة إعادة فرض سيطرتها على مناطق خارجة عن النفوذ المركزي.
وبين الانقسام داخل الطائفة الدرزية، وتلويح إسرائيل بالتصعيد، والوساطة الأميركية الحذرة، يبقى الهدوء في الجنوب السوري هشاً وقابلاً للانهيار في أية لحظة، إذا لم يُترجم الاتفاق الأخير إلى واقع ملموس ومستدام.
هل يصمد اتفاق السويداء؟
يرى مراقبون أن نجاح الاتفاق الجديد يتوقف على مدى التزام الجيش السوري بالانسحاب الكامل، وقبول الفصائل المحلية بحل وسط يضمن استقلالية نسبية للمدينة ضمن الدولة.
في المقابل، فإن استمرار الانقسام داخل المرجعيات الدينية للطائفة قد يُقوض الاتفاق من الداخل، ويعيد إشعال فتيل المواجهات في أية لحظة.






