شهد قطاع غزة اليوم، الخميس 17 يوليو، جريمة جديدة تضاف إلى سجل الانتهاكات المستمرة من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي، تمثّلت في قصف كنيسة “العائلة المقدسة” للاتين في قلب البلدة القديمة بمدينة غزة، وهي واحدة من أبرز المعالم الدينية المسيحية في القطاع. وأسفر الهجوم عن استشهاد راعي الكنيسة، الأب جابرييل رومانيللي، المعروف بدوره الإنساني والروحي، فضلًا عن إصابة عدد من المواطنين كانوا في محيط الموقع لحظة الاستهداف.
انتهاك صارخ للمقدسات
هذا الاعتداء لم يكن معزولًا، بل جاء ضمن سلسلة غارات متواصلة شنتها طائرات مسيرة تابعة للاحتلال، استهدفت مناطق متفرقة من القطاع، أبرزها منطقة التوام شمال غزة، حيث استشهد ثمانية مواطنين، وأُصيب آخرون بجراح متفاوتة. كما طالت الغارات كنيسة دير اللاتين شرق المدينة، ما يشير إلى توسع رقعة الاستهدافات لتشمل مواقع دينية ورموزًا حضارية، في خرق فاضح لكل الأعراف الإنسانية والدولية.
وفي حادثة قصف كنيسة العائلة المقدسة وحدها، أُصيب سبعة مدنيين آخرين بجروح، في مشهد يعيد إلى الأذهان الاعتداء السابق على “دير القديس بورفيريوس” في أكتوبر الماضي، حين استُهدفت الكنيسة الأرثوذكسية وقتل العشرات ممن احتموا بها.
يحمل قصف الكنائس في غزة أبعادًا خطيرة تتجاوز الجانب العسكري، إذ يمثل انتهاكًا صارخًا للمقدسات، وضربًا متعمدًا للنسيج الديني والاجتماعي الفلسطيني، الذي طالما شكّلت فيه الكنائس ملاذًا آمنًا للمدنيين الهاربين من القصف، ومراكز لإغاثة الجرحى والمشردين. ويأتي استهداف الأب رومانيللي، وهو أحد الوجوه الكنسية الأكثر حضورًا في غزة، ليزيد من وقع الفاجعة، لما كان يمثله من جسر تواصل إنساني بين المجتمع المحلي والعالم المسيحي خارج فلسطين.
استهتار بالقانون الدولي الإنساني
الهجوم على الكنائس يُعبّر عن تصعيد واضح في استهداف المواقع المدنية ذات الطابع الرمزي، كما يعكس استهتارًا بالقانون الدولي الإنساني الذي يُحرّم استهداف دور العبادة. ويكشف هذا النمط من الهجمات عن نزعة لتفكيك ما تبقى من معالم الحياة في القطاع المحاصر، وإرسال رسائل قاسية تفيد بأن لا مكان آمنا، حتى داخل البيوت المقدسة.
ومن الواضح أن هذا التصعيد يأتي في ظل عجز دولي متواصل عن فرض حماية للمدنيين ومواقع العبادة، رغم تزايد التقارير الحقوقية التي توثق هذه الانتهاكات، ورغم الإدانات المتكررة من الفاتيكان والكنائس العالمية لكل استهداف للمقدسات في غزة.
وفي ظل استمرار الحرب على غزة منذ أكثر من تسعة أشهر، تتعمّق آثار هذا القصف في الذاكرة الجماعية للفلسطينيين، ويُضاف إلى سجل طويل من المحاولات الإسرائيلية لتدمير ما تبقى من البنية المدنية والدينية والثقافية في القطاع. ويبدو أن هذه الاعتداءات لم تعد تستثني أي شيء: لا البشر، ولا الحجارة التي تروي قصة شعب يقاوم على الرغم من الدمار.






