في خضم التصعيد المستمر والعدوان المتواصل على قطاع غزة، تصاعدت وتيرة التحركات الدبلوماسية الفلسطينية في محاولة لوقف آلة القتل الإسرائيلية، التي باتت تستهدف كل أشكال الحياة في القطاع، من المستشفيات إلى مراكز توزيع المساعدات. وتأتي هذه التحركات في ظل عجز واضح للمجتمع الدولي عن اتخاذ خطوات حقيقية لحماية المدنيين، ما يفرض على الدبلوماسية الفلسطينية تحديًا مزدوجًا: مواجهة عدوان عسكري مباشر، والتعامل مع برود دبلوماسي دولي يكاد يلامس التواطؤ.
تحركات دبلوماسية متواصلة
وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية أدانت، في بيان لها اليوم السبت، ما وصفته بـ«القتل الجماعي» الذي يطال المدنيين الفلسطينيين أثناء بحثهم عن قوت يومهم في مراكز توزيع المساعدات. الجريمة الأخيرة التي ارتكبتها قوات الاحتلال شمال رفح، وأسفرت عن عشرات الشهداء والجرحى، ليست استثناءً، بل تمثل فصلًا جديدًا في ما بات يعرف دوليًا بسياسة «التجويع الممنهج» كأداة حرب، وهي سياسة وثقتها منظمات دولية عديدة وأثارت مخاوف من ارتكاب جرائم إبادة جماعية.
الرد الفلسطيني على هذه الجرائم لا يقتصر على الإدانة، بل يتجاوزها إلى تحركات دبلوماسية متواصلة، تحاول من خلالها السلطة الفلسطينية حشد الدعم السياسي والقانوني من الدول الصديقة، والمؤسسات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، من أجل وقف العدوان وفتح تحقيقات دولية في الجرائم المرتكبة. وتحرص وزارة الخارجية على إبراز الأبعاد القانونية والإنسانية للعدوان، مؤكدة أن إسرائيل تنتهك بشكل ممنهج اتفاقيات جنيف، والقانون الدولي الإنساني، ومعايير المحاسبة الدولية.
وقف الإبادة الجماعية والتهجير القسري
غير أن هذه الجهود تصطدم بجدار من الصمت الدولي، الذي عبّرت عنه الخارجية الفلسطينية بقولها إن المجتمع الدولي يواصل تخاذله وتقاعسه، مشيرة إلى أنه يتحمّل المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن كل لحظة تأخير في التدخل لوقف الإبادة الجماعية والتهجير القسري. وما بين لغة البيانات المتكررة في عواصم القرار الدولي، وسيل الدم المستمر في شوارع غزة، يبقى الفارق فادحًا، ويكشف عن هشاشة النظام الدولي في حماية المدنيين وقت الحرب.
تتمثل أبرز أدوات التحرك الدبلوماسي الفلسطيني في إرسال مذكرات احتجاج وتوثيق للانتهاكات إلى مجلس الأمن، ومحكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية، إلى جانب مخاطبة وزارات الخارجية وسفراء الدول الكبرى، والتحرك ضمن أطر إقليمية مثل جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي. كما تُبذل جهود لتفعيل لجان تقصي الحقائق، واستدعاء مواقف دولية صريحة ضد استخدام التجويع والعطش كسلاح حرب.
لكن ما يعرقل هذه الجهود، إضافة إلى الانحياز السياسي لبعض الدول المؤثرة، هو الانشغال العالمي بأزمات متعددة، والتراجع في فاعلية المؤسسات الدولية أمام نزاعات كبرى. وفي ظل غياب أي ضغوط جدية لفرض وقف لإطلاق النار، تتحول كل التحركات الفلسطينية إلى صراع مرير مع الزمن، حيث تُحتسب الأرواح لا بالدقائق، بل بالجنازات الجماعية.
توثق الانتهاكات الإسرائيلية
ومع ذلك، تواصل القيادة الفلسطينية تحركها على المحافل كافة، مستندة إلى دعم شعبي متزايد للقضية في الشارع العربي والدولي، وإلى تقارير متزايدة من مؤسسات حقوقية توثق الانتهاكات الإسرائيلية. وتدرك السلطة أن هذا التحرك قد لا يُفضي إلى نتائج فورية، لكنه يشكّل رصيدًا استراتيجيًا في معركة الرواية والعدالة، ووسيلة ضرورية لإحراج الاحتلال أمام الرأي العام العالمي.
في المحصلة، تكشف الجهود الدبلوماسية الفلسطينية عن وعي سياسي بخطورة المرحلة، وإصرار على عدم ترك غزة وحدها في مواجهة آلة الحرب، لكن هذه الجهود تبقى رهينة إرادة دولية تائهة بين المصالح السياسية والاعتبارات الإنسانية، وتحتاج إلى ضغط شعبي وإعلامي عالمي لكسر صمت العالم وإجباره على التحرك.







