فيما كان المبعوث الأميركي الخاص إلى لبنان توم براك يستعد للقاءات حاسمة في بيروت لتسلُّم الموقف اللبناني الرسمي بشأن الاتفاق المزمع، باغته الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم بمواقف صعد فيها سقف التفاوض على الهواء مباشرة، في رسالة مزدوجة إلى الداخل اللبناني والخارج، مضمونها: الحزب ليس معرقلًا… لكنه يريد «ضمانات كاملة» قبل أي تنازل حقيقي، وعلى رأسها مسألة سلاحه.
قاسم يسبق برّاك ويرفع السقف: نريد ضمانات لا وعوداً
بحسب مصادر مطلعة تحدثت إلى “الشرق الأوسط”، فإن نعيم قاسم تعمد إرسال إشارات مباشرة عبر الإعلام قبل وصول برّاك بساعات، أراد من خلالها أن يضع الحزب في موقع “الطرف الحريص على تطبيق الاتفاق الأول”، لكنه في الوقت نفسه شدد على أنه يرفض الدخول في مفاوضات جديدة حول أي بديل لا يقدم التزامات واضحة، خصوصاً من الجانب الأميركي.
وترى المصادر أن قاسم يخاطب الحاضنة الشعبية للحزب بقدر ما يخاطب برّاك، محاولاً امتصاص أي قلق داخلي قد ينشأ عن مناقشة مسألة السلاح، وهي النقطة الأكثر حساسية في أي اتفاق جديد يُعيد تشكيل المشهد اللبناني برمّته.
برّاك يعجّل بزيارته.. وعون يغيب بسبب جولة عربية
في خطوة فُهمت على أنها رغبة أميركية في الإمساك بزمام المبادرة، قدّم المبعوث الأميركي موعد وصوله إلى بيروت، وحط في العاصمة اللبنانية أمس الأحد، أي قبل الموعد المقرر، مستفيدًا من غياب رئيس الجمهورية جوزيف عون الذي اضطر للسفر إلى البحرين ضمن جولته على عدد من الدول العربية.
وتوقعت مصادر سياسية أن يبدأ برّاك لقاءاته مع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وعدد من القيادات السياسية والأمنية، في محاولة لتجميع المواقف الرسمية، وسط ترقب لتحديد “الموقف اللبناني النهائي” الذي سيحمله برّاك معه في جولته التالية.
بين السلاح والتحولات الإقليمية.. “حزب الله” على مفترق طرق
لا يخفى على المراقبين أن “حزب الله” يمرّ بمرحلة دقيقة في ضوء التحولات الإقليمية والتقارب الجاري بين بعض الدول العربية والولايات المتحدة، في مقابل استمرار الضغط على إيران وحلفائها. وفي هذا السياق، يرى قاسم أن أي تفاهم جديد لا بد أن يراعي التوازنات الجديدة، لكنه يشترط ضمانات دولية — وخصوصاً من واشنطن — تُلزم إسرائيل بالخطوات التي تُبرر تخليه عن السلاح أمام جمهوره.
وبرأي مراقبين، فإن الحزب لا يريد أن يظهر بمظهر الخاسر، ولذلك فإن قاسم رفع السقف التفاوضي لتأمين شبكة أمان سياسية وشعبية، تحميه في المرحلة المقبلة.
ملف السلاح من جديد… لكن هذه المرة عبر المبعوث الأميركي
يُعيد مشهد لقاءات برّاك المحتملة تسليط الضوء على مسألة سلاح “حزب الله” التي ظلت محور خلاف داخلي وخارجي لعقود. لكن الجديد اليوم، أن الحزب مستعد للبحث في ترتيبات المرحلة القادمة، شرط ضمان مكاسب ملموسة له ولحلفائه.
وتشير المصادر إلى أن واشنطن تُدرك حساسية الملف، لكنها تضغط باتجاه “تفاهم الحد الأدنى” الذي يمكن أن يُفتح به باب الحلول تدريجيًا، دون صدام مباشر.
بين التصعيد والتهدئة.. برّاك في مهمة دقيقة
وسط هذه الأجواء المتوترة، تأتي مهمة برّاك في بيروت محفوفة بالتحديات. فالشارع اللبناني يعيش على وقع أزمة اقتصادية خانقة، والطبقة السياسية منقسمة، فيما يحاول “حزب الله” ضبط إيقاع اللعبة السياسية وفقًا لمصالحه الأمنية والإقليمية.
وفي ظل غياب الرئيس عون المؤقت، ووجود هوّة بين مواقف الفرقاء المحليين، فإن المبعوث الأميركي سيكون مطالبًا بصياغة مخرج يُرضي واشنطن، ويطمئن الحزب، ويحافظ على توازن الدولة اللبنانية — وهي مهمة شديدة التعقيد.






