تواجه غزة كارثة إنسانية متفاقمة تُنذر بحدوث مجاعة جماعية، وفقاً لتحذيرات أطلقتها أكثر من مائة منظمة غير حكومية، في مقدمتها «أطباء بلا حدود» و«منظمة العفو الدولية». وفي حين بلغ الوضع الإنساني في القطاع ذروة غير مسبوقة، تشير التطورات الأخيرة إلى أن العالم بات يقف أمام لحظة مفصلية، تفرض اتخاذ إجراءات عاجلة لتجنب انهيار كامل في منظومة الحياة بغزة.
انهيار النظام الصحي والغذائي
لقد أصبح سوء التغذية والمجاعة واقعاً ملموساً لا مجرد تهديد محتمل. فـ«مجمع الشفاء الطبي» أعلن وفاة 21 طفلاً خلال 72 ساعة فقط، نتيجة الجوع وسوء التغذية، وهي أرقام تكشف بشكل قاطع حجم الانهيار في النظام الصحي والغذائي. أما الصور القادمة من مستشفيات كـ«ناصر» فتؤكد أن الأطفال يموتون من الهزال أمام أعين ذويهم، في ظل انعدام الرعاية ونقص المواد الأساسية للحياة.
هذه المأساة لا تحدث في فراغ، بل هي نتيجة مباشرة لحصار خانق مستمر منذ سنوات، تفاقم مع تصعيد عسكري غير مسبوق منذ أكثر من 21 شهراً. ومع كل يوم من استمرار الحرب، تتدهور قدرة الأهالي على الوصول إلى الغذاء والماء والدواء. وفي هذا السياق، تُشير الأمم المتحدة إلى أن المجاعة باتت «تقرع كل الأبواب»، بينما قال الأمين العام أنطونيو غوتيريش إن ما يحدث في غزة «لا مثيل له في التاريخ الحديث» من حيث عدد القتلى وشدة الدمار.
فرض قيود مشددة على دخول المساعدات
ورغم الضغوط الدولية المتزايدة، تواصل إسرائيل فرض قيود مشددة على دخول المساعدات، مدعية أنها تسمح بتدفق «كميات كبيرة»، في حين تؤكد المنظمات الإنسانية أن أطناناً من الغذاء والمياه والوقود ما تزال عالقة على المعابر أو في مستودعات داخل القطاع، غير قابلة للتوزيع بسبب العراقيل الإدارية والأمنية المفروضة من الجانب الإسرائيلي. هذا التناقض بين التصريحات والواقع الميداني يعكس فشلًا واضحًا في الاستجابة الدولية للأزمة، بل ويكشف عن تعمد في تجويع السكان كأداة ضغط سياسي.
وفي المقابل، تتبادل الأطراف الاتهامات حول استغلال المعاناة الإنسانية. فإسرائيل تتهم «حماس» بسرقة المساعدات وبيعها بأسعار مرتفعة، بينما تشير منظمات إنسانية إلى مسؤولية الجيش الإسرائيلي عن مقتل أكثر من ألف شخص عند نقاط توزيع المساعدات، غالبيتهم من المدنيين، في وقائع وُثّقت منذ نهاية مايو/أيار. أما «مؤسسة غزة الإنسانية» التي تحظى بدعم أميركي وإسرائيلي، فتوجّه بدورها اللوم لحماس.
أضرار بيولوجية ونفسية
وفي خضم هذا المشهد، تحاول الولايات المتحدة تحريك المياه الراكدة عبر مبعوثها ستيف ويتكوف الذي سيتوجه إلى أوروبا للبحث في «ممر إنساني» يضمن تدفق الإمدادات الحيوية إلى غزة. لكن المساعي الأميركية، رغم أهميتها، ما زالت تفتقر إلى ضمانات حقيقية بوقف دائم لإطلاق النار أو بآلية مراقبة تضمن وصول المساعدات للمدنيين فعلاً.
الخطورة الأكبر لا تكمن فقط في المجاعة الحالية، بل في آثارها طويلة المدى. فالموت جوعاً لا يُفضي فقط إلى فقدان الأرواح، بل يخلّف جيلاً كاملاً من الأطفال الذين سيحملون في أجسادهم وعقولهم ندوباً مزمنة نتيجة الحرمان وسوء التغذية. الأضرار البيولوجية والنفسية ستكون عميقة، وتُهدد مستقبل المجتمع الفلسطيني في غزة برمته.
مأساة إنسانية
كما أن استمرار الانهيار الإنساني سيؤدي على الأرجح إلى مزيد من التوترات السياسية والأمنية، إذ لن تبقى المجاعة مجرد مأساة إنسانية، بل ستتحول إلى عامل جديد لتأجيج الصراع في المنطقة، سواء عبر انفجار اجتماعي داخل القطاع، أو عبر إعادة تصدير الأزمة إقليمياً ودولياً.
ما يحدث في غزة ليس مجرد أزمة عابرة، بل جريمة جماعية تتكشف فصولها أمام أعين العالم. وإذا لم تُفتح المعابر فوراً، ويتم فرض هدنة إنسانية شاملة، فإن الكارثة لن تتوقف عند المجاعة، بل قد تصل إلى انهيار شامل لأي شكل من أشكال الحياة في القطاع. في هذا السياق، لم يعد الصمت الدولي موقفاً محايداً، بل شراكة فعلية في استمرار المأساة.







