أطلق السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا، توم براك، تحذيراً مباشراً من تداعيات استمرار الجمود السياسي والأمني في لبنان، مؤكداً أن «الاستقرار في لبنان أساسي، وإلا فلن يأتي أحد لمساعدتكم»، في رسالة واضحة للمسؤولين اللبنانيين بشأن موقف المجتمع الدولي من الأزمة.
وقال براك، في تصريحات نُقلت عن الوكالة الوطنية للإعلام، خلال زيارة إلى بيروت، إن الشرط الأول لأي دعم دولي هو التزام الدولة اللبنانية بالقرار السيادي وحصرية السلاح في يدها، في إشارة ضمنية إلى سلاح «حزب الله» والفصائل المسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة.
وأشار المبعوث الأميركي إلى أن «المسار في لبنان معقد»، لكنه أكد أن بلاده لن تتخلى عن التواصل مع جميع الأطراف، مضيفاً: «سنستمر في الحوار مع من ليسوا على الطاولة»، ما يُعدّ تلميحاً إلى محاولات واشنطن الحفاظ على قنوات خلفية مع أطراف مؤثرة لم تشارك في الحوار السياسي الرسمي.
رسائل واضحة إلى الداخل اللبناني
وفي وقت يترقب فيه لبنان خريطة طريق جديدة تخرجه من أزماته الاقتصادية والسياسية المتشابكة، شدد براك على أن بلاده تتعامل بواقعية مع المشهد، قائلاً: «لا نأخذ الربح والخسارة إلا وفق النهج الذي نتبعه»، مضيفاً: «نحن نحاول أن نكون الوسيط الصريح لمعالجة الإشكالات»، وهو ما يعكس رغبة الإدارة الأميركية في لعب دور الوسيط الفاعل ولكن من دون تحمل تكلفة دعم نظام غير ملتزم بالإصلاح.
وبحسب مصادر سياسية مواكبة للزيارة، فإن براك أعاد التأكيد خلال لقاءاته مع مسؤولين لبنانيين على ضرورة تسريع انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة فعالة، مشدداً على أهمية الشفافية في التعامل مع برامج الدعم المالي الدولية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي.
دعم مشروط.. وسلاح تحت المجهر
واعتبر مراقبون أن تصريحات براك تمثل نقلة نوعية في لهجة الخطاب الأميركي تجاه لبنان، إذ تُعدّ المرة الأولى التي يصدر فيها تحذير بهذا الوضوح بشأن وقف الدعم إذا لم يتحقق الحد الأدنى من الاستقرار السياسي وحصرية السلاح.
ويبدو أن واشنطن تتجه نحو تدويل مطلب نزع سلاح الفصائل المسلحة، وربطه بشكل مباشر بأي دعم اقتصادي مستقبلي، سواء عبر البنك الدولي أو شركاء الاتحاد الأوروبي.
كما كشفت مصادر مطلعة أن الولايات المتحدة تعمل على بلورة مبادرة دبلوماسية بالتنسيق مع باريس والرياض، لدفع الفرقاء اللبنانيين إلى حلحلة العقد الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بملف الرئاسة، مع استمرار الرهان الأميركي على دور رئيس مجلس النواب نبيه بري في تسهيل هذا المسار.
ترمب: نريد أن ينجح لبنان.. لا أكثر
وأعاد المبعوث الأميركي التذكير بموقف الإدارة الأميركية، قائلاً: «الرئيس ترمب يريد أن ينجح لبنان»، مضيفاً أن واشنطن ليست معنية بصراعات داخلية أو بمفاضلة بين أطراف، بل تتطلع إلى شريك لبناني قادر على اتخاذ قرارات سيادية وإصلاحية.
هذا التصريح يُقرأ على أنه إشارة إلى تراجع شهية الغرب في ضخ المساعدات بلا مقابل سياسي حقيقي، لا سيما مع استمرار الانهيار المالي وتردي الخدمات العامة والانقسام الحاد بين القوى السياسية.
هل تتغير المعادلة؟
تأتي زيارة براك في وقت حرج للبنان، وسط انهيار العملة المحلية واستمرار الشلل في مؤسسات الدولة، وفقدان ثقة اللبنانيين بالطبقة السياسية.
وتأمل الأوساط الغربية أن تُسهم هذه الزيارة في تسريع التوافق على خارطة إنقاذ، تبدأ برئاسة جديدة وتنتهي بحكومة قادرة على تنفيذ الإصلاحات.
لكن ما لمّح إليه براك بوضوح، هو أن الكرة في ملعب اللبنانيين، والقرار الأهم: هل تختارون طريق الاستقرار والمساعدات… أم تتركون لبنان لمصيره؟.







