تسلّط محاولة اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كما أعلنت عنها الشرطة وجهاز الأمن العام (الشاباك)، الضوء على حالة من التوتر والاحتقان الداخلي المتصاعد في إسرائيل، والذي لم يعد يعبّر عن نفسه فقط في المظاهرات والاحتجاجات، بل بات يتخذ أشكالاً أكثر تطرفاً قد تصل إلى العنف السياسي. فحين تصدر تهديدات كهذه من داخل المجتمع الإسرائيلي، خصوصاً من مواطنين يُفترض أنهم جزء من البنية الاجتماعية “المتجانسة أمنياً”، فإن ذلك يعكس تصدّعاً متنامياً في الثقة بالمؤسسة السياسية، وتآكلاً في الإجماع الوطني، خاصة حول شخصية نتنياهو وسياساته.
هشاشة الولاء الوطني
اللافت في القضية الأخيرة أن المتهمة امرأة من وسط إسرائيل، وهي منطقة تعتبر تاريخياً أقل عرضة للتيارات المتطرفة أو العمل العنفي، ما يطرح تساؤلات جدية حول عمق التصدعات الاجتماعية، وامتدادها إلى فئات غير تقليدية. كما أن اختيار العبوة الناسفة وسيلةً محتملة يشير إلى رغبة بتنفيذ عمل رمزي وعنيف يحمل رسالة سياسية قوية، ويكشف كذلك عن تسرب وسائل العنف المنظم إلى الفضاء الداخلي الإسرائيلي، وهو تطور مقلق في حد ذاته.
تأتي هذه الحادثة بعد أشهر من الكشف عن محاولة أخرى خطط لها مواطن إسرائيلي بالتنسيق مع جهات إيرانية لاستهداف نتنياهو ومسؤولين آخرين. وتُظهر هذه الواقعة، رغم بعدها الخارجي، أن هناك أفراداً من داخل المجتمع الإسرائيلي قابلون للتواصل مع “العدو التقليدي” لتنفيذ هجمات ضد رموز الدولة، ما يدلّ على هشاشة الولاء الوطني لدى بعض الفئات، وربما على الشعور بالتهميش أو الغضب الأيديولوجي من السياسات الحاكمة.
اختراق الجبهة الداخلية
الأزمة الأمنية هنا لا تكمُن فقط في التهديد المباشر لحياة نتنياهو، بل في مؤشرات التآكل العميق في الجبهة الداخلية الإسرائيلية، التي لطالما اعتبرتها المؤسسة الأمنية خط الدفاع الأول. فاختراق هذه الجبهة من الداخل، سواء بدوافع أيديولوجية محلية أو بتحريض خارجي، يُظهر أن حالة الاستقطاب السياسي في إسرائيل لم تعد مجرد أزمة خطاب، بل باتت تهدد الاستقرار الفعلي للنظام السياسي.
هذه الحوادث، مجتمعة، تكشف أن صورة “الديمقراطية المستقرة” التي لطالما روّجت لها إسرائيل آخذة بالتشقق، وأن النظام السياسي بات يواجه تحديات غير مسبوقة من داخله. فنتنياهو، الذي يواجه انتقادات واسعة بسبب ملفات الفساد والحرب في غزة، لم يعد فقط هدفاً خارجياً، بل بات خصماً داخلياً في نظر بعض مواطنيه. وهذا بحد ذاته يعكس فشلاً في إدارة التماسك الاجتماعي والأمني، ويدق ناقوس الخطر أمام مؤسسات الدولة كافة.
في المحصلة، فإن محاولة اغتيال رئيس الوزراء من داخل المجتمع الإسرائيلي تطرح سؤالاً وجودياً حول قدرة هذا المجتمع على تحمّل الاستقطابات الداخلية الحادة، وتكشف أن التهديدات الأمنية لإسرائيل لم تعد محصورة في حدودها الجغرافية أو خصومها التقليديين، بل باتت تنبع من داخلها، من رحم أزماتها السياسية والاجتماعية العميقة.







