في كلمته الأخيرة أمام الجمعية العالمية لمنظمة العفو الدولية، أطلق الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أقوى تحذيراته الأخلاقية حتى الآن بشأن ما يجري في قطاع غزة، واصفاً المأساة المستمرة هناك بأنها “أزمة أخلاقية تتحدى الضمير العالمي”، تتجاوز إطار الأزمة الإنسانية التقليدية إلى ما هو أعمق وأكثر إيلاماً من حيث الدلالات والمعاني. تصريحات غوتيريش، التي اتسمت بالحدة والانفعال الإنساني، جاءت في وقت تتكثف فيه المآسي اليومية في غزة، ويزداد فيه شعور العالم بالعجز أو اللامبالاة، ما أضفى على كلمته بُعداً استثنائياً.
فشل المجتمع الدولي في حماية المدنيين
ما يميز خطاب غوتيريش ليس فقط قوة اللغة أو الأسى الصادق الظاهر في كلماته، بل أيضًا كسره لصيغة التوازن الدبلوماسي التي تتّبعها الأمم المتحدة عادة في توصيفها للصراعات. فحين يقول الأمين العام إن “الكلمات لا تطعم الأطفال الجياع”، فهو يوجه اللوم المباشر إلى المؤسسات الدولية والحكومات الكبرى التي اكتفت بالإدانة اللفظية، دون أن تقدم حلولاً ملموسة، أو تتحرك بشكل فاعل لإيقاف المأساة الممتدة. إنه اعتراف علني بفشل النظام الدولي في معالجة واحدة من أكثر الأزمات دمويةً وتجويعاً في العصر الحديث.
ولعل أقسى ما ورد في حديثه هو وصفه لموظفي الأمم المتحدة العاملين في غزة، حين قال إنهم “يتضورون جوعاً أمام أعيننا”، مشيرًا إلى أن كثيرًا منهم أصبحوا “مخدرين ومنهكين لدرجة أنهم لا يشعرون بأنهم أموات ولا أحياء”. هذا التصوير الصادم لا يعكس فقط فشل المجتمع الدولي في حماية المدنيين، بل يكشف أيضًا عن حدود قدرة الأمم المتحدة ذاتها على العمل في ظل ظروف وصفت بأنها “لا يمكن تصورها”، حتى بالنسبة لمن اعتادوا العمل في بؤر الكوارث والصراعات.
غياب الإرادة السياسية الدولية
تصريحات غوتيريش لا تنفصل عن سياق أوسع من الانهيارات السياسية والإنسانية في غزة، حيث أشار إلى أن أكثر من ألف فلسطيني قُتلوا فقط أثناء محاولتهم الحصول على الغذاء، في مشهد يختزل عمق الانهيار الأخلاقي الحاصل. هؤلاء لم يُقتلوا في جبهات القتال أو على خطوط الاشتباك، بل قضوا في سعيهم اليائس خلف لقمة العيش، في ظل سياسة تجويع ممنهجة وغياب شبه كامل لأي حماية دولية.
كما حملت كلمته تذكيراً بضرورة وقف إطلاق النار بشكل فوري ودائم، وهو مطلب إنساني عاجل، لكنه اصطدم مراراً بتعقيدات الميدان وحسابات الأطراف المتصارعة. في المقابل، أكد غوتيريش استعداد الأمم المتحدة لتعظيم الاستفادة من أي فرصة لوقف القتال، لتوسيع نطاق العمليات الإنسانية، كما حدث خلال فترات الهدنة السابقة، وهو ما يعيد طرح أسئلة ملحة حول غياب الإرادة السياسية الدولية لتحويل الهدن المؤقتة إلى حلول مستدامة.
كارثة أخلاقية وإنسانية
الأمين العام لم يتوقف عند توصيف الأزمة أو مناشدة وقف إطلاق النار، بل عاد ليذكّر بأصل الصراع وسبيل حله، مجددًا تمسك الأمم المتحدة بحل الدولتين كطريق وحيد لإنهاء الدوامة، ومؤكداً أن هذا الهدف يتطلب “خطوات عاجلة وملموسة لا رجعة فيها”، في إشارة واضحة إلى المماطلة السياسية والتوسع الاستيطاني ورفض الاحتلال الالتزام بالقرارات الدولية.
يمكن النظر إلى خطاب غوتيريش كصرخة أخلاقية في وجه نظام دولي مأزوم، يواصل التعامل مع جراح غزة كأرقام وأزمات مؤقتة، لا ككارثة أخلاقية وإنسانية تتطلب تحركاً عاجلاً. لقد تجاوزت معاناة سكان غزة حدود الحرب، لتصبح رمزاً للخذلان الدولي، وهو ما عبّر عنه الأطفال الغزيون ببراءة حين قالوا إنهم يريدون الذهاب إلى الجنة، حيث يمكنهم أخيرًا العثور على طعام. في وجه هذا المشهد، تصبح الكلمات، كما قال الأمين العام، بلا جدوى، إذا لم تتحول إلى فعل.






