في خضم الأزمة الإنسانية المتفاقمة في قطاع غزة، تصاعد الجدل حول موقف مصر من الحصار المفروض على القطاع، بعد صدور اتهامات من جهات معارضة في الخارج حمّلت القاهرة جزءًا من المسؤولية عن منع دخول المساعدات الإنسانية، مقابل نفي رسمي قاطع من السلطات المصرية التي شددت على التزامها بمبادئ دعم الشعب الفلسطيني، ورفضها لما وصفته بـ”الدعاية المغرضة”.
مصر ترفض الاتهامات وتصفها بـ”الواهية”
وزارة الخارجية المصرية أعربت في بيان رسمي عن استنكارها لما اعتبرته “اتهامات غير مبررة” تُوجَّه إليها بشأن المشاركة في الحصار المفروض على قطاع غزة، لا سيما عبر معبر رفح. وشدد البيان على أن هذه المزاعم “تتناقض مع الموقف المصري، بل ومع مصالح الدولة المصرية ذاتها”، مؤكدة أن القاهرة بذلت منذ بداية العدوان الإسرائيلي على غزة جهودًا دبلوماسية وإنسانية مكثفة لوقف إطلاق النار وضمان تدفق المساعدات الإنسانية إلى القطاع عبر معبر رفح.
البيان أشار إلى أن مصر قادت منذ بداية الحرب عمليات الإغاثة، وساهمت في إعداد خطة لإعادة إعمار القطاع، تم اعتمادها عربيًا، إلى جانب استقبال المصابين الفلسطينيين في المستشفيات المصرية الممتدة من العريش وحتى أسوان.
الجانب الفلسطيني من المعبر “محتل” وفق الرواية المصرية
وفي توضيح يتعلق بوضع معبر رفح، أكدت وزارة الخارجية أن الجانب المصري من المعبر لم يُغلق، وأن الجانب الفلسطيني يخضع فعليًا لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي، ما يقيّد حركة دخول المساعدات. ودعت مصر إلى “توخي الحذر في التعامل مع الأكاذيب التي تُستخدم في إطار حملات حرب نفسية تستهدف خلق حالة من الانقسام العربي، وتحويل الأنظار عن الأسباب الحقيقية للأزمة الإنسانية في غزة”.
وأكدت مصر في ختام بيانها استمرار التزامها تجاه الشعب الفلسطيني، وسعيها لإحياء العملية السياسية وتحقيق حل الدولتين، وفق قرارات الشرعية الدولية.
دعوات للتظاهر واتهامات متبادلة
في المقابل، أطلقت حركة معارضة تُدعى “ميدان”، يقيم مؤسسوها خارج البلاد، دعوة لتنظيم تظاهرات أمام السفارات والقنصليات المصرية، في ما وصفته بـ”ردّ على مساهمة النظام المصري في تجويع أهالي غزة”. وأشارت الحركة، التي تضم أسماء تُتهم في مصر بالارتباط بجماعات محظورة، إلى أن هدفها من التحرك هو “كسر الحصار المفروض على القطاع”، متهمة القاهرة باستخدام المعبر كورقة ضغط سياسي.
وتأتي هذه الدعوة بالتزامن مع تظاهرات فردية شهدتها بعض العواصم الأوروبية، من بينها احتجاج لأحد الناشطين أمام سفارة مصر في هولندا، قام خلاله بإغلاق أبواب السفارة بأقفال رمزية، وتوجيه اتهامات للنظام المصري بالتواطؤ مع الاحتلال الإسرائيلي.
معارضة في الخارج: ضغوط على القاهرة لفتح المعبر
من جهته، أصدر “اتحاد القوى الوطنية المصرية” المعارض بيانًا دعا فيه إلى “تحرك فوري من المجتمع الدولي للضغط على القاهرة لفتح معبر رفح دون شروط”، معتبرا أن استمرار الإغلاق يُعد “انحرافًا عن الدور التاريخي لمصر في دعم الشعب الفلسطيني”.
البيان أشار إلى أن قمة الرياض التي عقدت في نوفمبر 2023 أكدت ضرورة فتح المعابر أمام المساعدات الإنسانية، داعيًا إلى احترام ما تم التوافق عليه عربيًا في هذا الصدد.
الداخل المصري: مواقف متباينة بين التأييد والرفض
وعلى الساحة الداخلية، تعددت المواقف. فقد وجهت أحزاب سياسية مصرية نداءً إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي للمطالبة بفتح المعبر وتسهيل دخول المساعدات، معتبرة أن تأخير الإغاثة يهدد بحدوث كارثة إنسانية. من بين الموقعين على البيان أحزاب “الكرامة”، و”الدستور”، و”العيش والحرية”، و”الشيوعي المصري”.
وأكد الموقعون دعمهم للدور المصري التاريخي في القضية الفلسطينية، مشددين على أن “فتح المعبر لا يتعارض مع التزامات مصر الدولية، بل يتسق مع دورها القومي والإنساني”.
في المقابل، استنكرت شخصيات إعلامية وسياسية الحملة المناهضة لمصر، واعتبرت أنها تهدف إلى الإساءة لصورة البلاد. الإعلامي مصطفى بكري وصف الدعوات لمحاصرة السفارات المصرية في الخارج بـ”المخزية”، قائلاً إن مصر رفضت عروضًا مالية ضخمة مقابل قبول تهجير الفلسطينيين، وقدّمت النسبة الأكبر من المساعدات إلى قطاع غزة.
انقسام في الرؤية: واقع أمني معقّد وتحديات إقليمية
تسلّط هذه الأزمة الضوء على التعقيدات المحيطة بملف معبر رفح، الذي يقع في منطقة أمنية حساسة تخضع لترتيبات خاصة، وتشهد منذ سنوات إجراءات أمنية مشددة بسبب التوترات في شمال سيناء. ويشير مراقبون إلى أن القاهرة تسعى من خلال سياساتها إلى موازنة التزاماتها القومية والإنسانية تجاه غزة، مع مقتضيات الأمن القومي المصري، وسط اتهامات متبادلة يصعب حسمها خارج سياق التفاهمات الإقليمية الأوسع.
خلاصة: بين الضغوط الشعبية والمواقف الرسمية
في ظل تعقيدات المشهد السياسي والإنساني، يبدو أن ملف معبر رفح سيبقى محورًا دائمًا للتجاذب، سواء بين القوى المعارضة والسلطات المصرية، أو بين الفاعلين الإقليميين والدوليين. ورغم نفي مصر الرسمي لأي دور في إغلاق المعبر، واتهامها للاحتلال الإسرائيلي بالمسؤولية المباشرة، فإن المطالبات الداخلية والخارجية تتواصل لزيادة حجم المساعدات الإنسانية ورفع وتيرة التدخل السياسي المصري، بما يتجاوز البيانات الدبلوماسية.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل ستقود هذه الضغوط المتزايدة إلى تغيّر عملي في آلية إدارة المعبر؟ أم أن الاصطفافات السياسية الإقليمية ستستمر في فرض حدودها على الميدان؟






