أسفرت غارات جوية إسرائيلية جديدة، نفّذها الطيران الحربي ليل الاثنين – الثلاثاء، عن مقتل 30 فلسطينياً، معظمهم من النساء والأطفال، في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، ما يضيف حلقة دامية جديدة إلى سلسلة الهجمات المتواصلة على المناطق المدنية المكتظة. ووفقاً للناطق باسم الدفاع المدني في غزة، محمود بصل، فإن هذه الغارات استهدفت منازل في “المخيم الجديد” داخل النصيرات، واصفاً ما جرى بأنه “مجزرة جديدة”، تم خلالها نقل الضحايا والجرحى إلى مستشفى العودة، في مشهد يتكرر منذ أشهر ويجسّد استمرارية الاستهداف المباشر للمدنيين.
الانهيار الكامل في البنية التحتية
هذا التصعيد يأتي في لحظة تشهد فيها غزة وضعاً إنسانياً مأساوياً على وقع المجاعة المتفاقمة والانهيار الكامل في البنية التحتية للخدمات الأساسية، مما يزيد من هشاشة السكان المدنيين ويحولهم إلى أهداف سهلة في ظل غياب الملاجئ والممرات الآمنة. ورغم الضغوط الدولية المتزايدة، لا سيما مع تنامي التحذيرات من كارثة غذائية غير مسبوقة، لا تزال العمليات العسكرية الإسرائيلية مستمرة بوتيرة لا تتناسب مع الإعلانات المتكررة عن “تهدئة جزئية” أو “وقف محدود لإطلاق النار”.
وفي هذا السياق، كانت إسرائيل قد أعلنت في عطلة نهاية الأسبوع الماضي عن وقف مؤقت لعملياتها العسكرية في بعض المناطق، مثل مدينة غزة ودير البلح والمواصي، لمدة 10 ساعات يومياً، بهدف تسهيل دخول المساعدات الإنسانية، إلى جانب استئناف عمليات الإسقاط الجوي للمساعدات بالتعاون مع بعض الدول. غير أن هذه الخطوة، رغم تقديمها إعلامياً كاستجابة إنسانية، لم تؤتِ ثماراً ملموسة على الأرض، بحسب تأكيدات وكالات الإغاثة، التي تقول إن ما يُسمح بإدخاله من مساعدات لا يكفي لسدّ حاجات السكان المتزايدة، في ظل تقييدات إسرائيلية مشددة على المعابر، وبيئة أمنية تحول دون التوزيع المنتظم والآمن.
إنهاك المجتمع الفلسطيني
ما يجري في النصيرات لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للمواجهات المستمرة منذ أكتوبر 2023، حيث تحوّلت مخيمات اللاجئين – التي أنشئت أصلاً كحل مؤقت قبل أكثر من سبعين عاماً – إلى مساحات مكتظة بالبؤس ومفتوحة للنيران. واستهدافها يسلّط الضوء على الإخفاقات المتراكمة للنظام الدولي في حماية المدنيين، ويثير تساؤلات حول مدى فعالية الضغوط الغربية والعربية على إسرائيل، في وقت تبدو فيه البيانات الأممية والدعوات الدولية غير قادرة على ترجمة معاناتهم إلى إجراءات ردع حقيقية.
كذلك، فإن استمرار سقوط ضحايا من الأطفال والنساء يعيد النقاش إلى نقطة مركزية تتعلق بما إذا كانت السياسات الإسرائيلية تهدف فقط إلى “تحييد التهديدات”، كما تدّعي، أم أن هناك إستراتيجية أوسع تسعى إلى إنهاك المجتمع الفلسطيني بأكمله عبر استهداف النسيج الاجتماعي ومصادر الحياة اليومية.
في ظل هذه المعادلة المأساوية، تبدو دعوات التهدئة الإنسانية والهدن اليومية أشبه بمحاولات لإدارة الأزمة بدلاً من حلها، فيما تتواصل المجازر على الأرض ويتواصل معها نزيف الدم الفلسطيني. وفي غياب تدخل دولي حاسم وملزم، يبقى المشهد في غزة مرشحاً لمزيد من الانحدار نحو الكارثة الكاملة.






