جاءت مداولات مجلس الوزراء السعودي برئاسة العاهل الملك سلمان بن عبد العزيز هذا الأسبوع لتؤكد على جملة من القضايا الاستراتيجية التي ترسم ملامح الدور السعودي المتنامي إقليميًا ودوليًا، خصوصًا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، والعلاقات الإقليمية، والتنمية المستدامة.
في صدارة الأولويات، عبّر المجلس عن تطلعه إلى أن يسهم المؤتمر الدولي رفيع المستوى حول التسوية السلمية للقضية الفلسطينية، والذي تترأسه السعودية بالشراكة مع فرنسا، في فتح آفاق حقيقية لتسريع الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة. هذا التوجه ينسجم مع خطاب سعودي متكرر يشدد على مركزية حل الدولتين كأساس لأي سلام دائم في الشرق الأوسط. ويؤكد دعم المملكة للسلام العادل والشامل وضرورة إنهاء الاحتلال، مع توجيه إدانة صريحة لما وصفه المجلس بمحاولات الكنيست الإسرائيلي فرض السيادة على الضفة الغربية والأغوار، واعتبار ذلك تقويضًا مباشرًا لأي جهود سلام وتجاهلًا فاضحًا للقوانين الدولية.
توافق سعودي أوروبي
في السياق ذاته، بدا لافتًا ترحيب الرياض بإعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اعتزام بلاده الاعتراف بالدولة الفلسطينية، في خطوة تشجع المملكة على تعميمها على بقية الدول، بما يعكس توافقًا سعوديًا أوروبيًا ناشئًا قد يشكل رافعة دبلوماسية جديدة للقضية الفلسطينية في المحافل الدولية.
وفي موازاة ذلك، استعرض المجلس تطورات العلاقات الثنائية للمملكة، مع التركيز على تعزيز التعاون والتنسيق مع الدول الشقيقة والصديقة، وهو ما ينسجم مع السياسة السعودية القائمة على تنويع الشراكات والتحرك في دوائر إقليمية ودولية متعددة.
إعادة العلاقات بين الرياض ودمشق
واحدة من أبرز الملفات التي تطرقت إليها الجلسة كانت زيارة الوفد السعودي إلى سوريا، والتي تمثل محطة جديدة في مسار إعادة العلاقات بين الرياض ودمشق. إذ أشاد المجلس بنتائج الزيارة التي أثمرت عن توقيع 47 اتفاقية استثمارية بقيمة تقارب 24 مليار ريال، مع الإعلان عن تشكيل مجلس أعمال مشترك. هذا التطور يعكس ليس فقط إعادة بناء العلاقات السياسية، بل أيضًا السعي لدمج سوريا تدريجيًا في الحراك الاقتصادي الإقليمي، في خطوة قد تكون ذات أبعاد استراتيجية تتجاوز الإطار الثنائي.
أما على صعيد السياسة الداخلية والالتزامات الدولية في مجالات التنمية والمناخ، فقد استعرض المجلس مشاركة المملكة في المنتدى السياسي رفيع المستوى التابع للأمم المتحدة، وما تضمنته من استعراض لإنجازات “رؤية السعودية 2030″، التي جعلت المملكة تتصدر دول مجموعة العشرين من حيث التقدم في مؤشرات التنمية المستدامة خلال العقد الأخير.
توازن أدوار السعودية
وفي مجال التقنيات البيئية، استعرض المجلس أحدث مبادرات المملكة في مجال الاقتصاد الدائري للكربون، بما في ذلك تشغيل وحدة اختبارية لالتقاط الكربون من الهواء في مدينة الرياض، في خطوة تعكس حرص السعودية على لعب دور ريادي في مجال الابتكار المناخي ضمن التزاماتها باتفاق باريس، وفي سياق رؤيتها الطموحة للتحول الاقتصادي المستدام.
بصورة عامة، فإن مخرجات الجلسة الحكومية تعكس توازنًا بين أدوار السعودية السياسية والاقتصادية والدبلوماسية، حيث تظهر كمحرك أساسي في ملفات السلام الإقليمي، وشريك نشط في الاقتصاد العالمي، ولاعب طموح في قضايا المناخ والتنمية المستدامة.







