تصريحات وزارة الخارجية الفلسطينية، التي قالت فيها إن إسرائيل “تسابق الزمن” لإفشال الإجماع الدولي حول حل الدولتين، تكشف عن إدراك فلسطيني عميق لتكتيكات الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي باتت تتصرف وفق استراتيجية واضحة لتقويض أي مسار سياسي يُفضي إلى إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
تأتي هذه التصريحات في سياق سياسي دولي بدأت تتشكل فيه ملامح توافق متنامٍ – ولو على المستوى الرمزي – حول ضرورة تنفيذ حل الدولتين، خاصة في ضوء تصاعد الكارثة الإنسانية في قطاع غزة واتساع رقعة التصعيد في الضفة الغربية. وقد تجلى هذا التوجه في سلسلة من الاعترافات المتتالية بالدولة الفلسطينية من قبل دول أوروبية بارزة، والضغط المتزايد داخل الأمم المتحدة لدفع باتجاه وقف الحرب والتوصل إلى تسوية سياسية دائمة.
توسيع الاستيطان
غير أن إسرائيل، وفق الرؤية الفلسطينية، لا تنظر إلى هذا التوافق الدولي باعتباره فرصة للتفاوض، بل كتهديد استراتيجي لمشروعها الاستيطاني وفرض الأمر الواقع. ولذلك فهي تستبق أي ضغط دولي بخطوات ميدانية تهدف إلى “حرق الوقت السياسي”، سواء من خلال توسيع الاستيطان، أو تكثيف الهجمات على الضفة الغربية، أو ضرب البنية المجتمعية في قطاع غزة، بما يجعل فكرة قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة أمرًا غير واقعي على الأرض.
المعنى العميق لتعبير “سباق الزمن” يكمن في أن إسرائيل، من وجهة النظر الفلسطينية، تدرك اقتراب لحظة سياسية مفصلية قد تُفرض عليها من الخارج، خاصة إذا تغيّرت التوازنات في واشنطن أو داخل مجلس الأمن. ومن ثم، فهي تسعى إلى خلق أكبر قدر ممكن من الوقائع الأحادية – بما في ذلك عمليات التهجير، والضم الفعلي، وتوسيع سيطرة المستوطنين – بحيث يصبح التراجع عنها سياسيًا وميدانيًا شديد التعقيد.
حشد الإجماع الدولي
ومن هذا المنظور، لا تنفصل تصريحات الخارجية الفلسطينية عن مجمل السردية التي تسعى السلطة الفلسطينية لترسيخها في المرحلة الراهنة: أن الاحتلال لا يعمل على تقويض الحقوق الفلسطينية فقط، بل يضرب بعرض الحائط الإجماع الدولي ومبادئ القانون الدولي، مما يهدد ليس فقط القضية الفلسطينية، بل النظام الدولي ذاته القائم على قواعد وقرارات أممية.
التحدي أمام الفلسطينيين في هذه المرحلة يتمثل في كيفية تحويل هذا “الإجماع الدولي المتنامي” إلى أداة فاعلة قادرة على وقف السياسات الإسرائيلية على الأرض. فالتنديد السياسي أو الاعتراف الرمزي لا يكفيان أمام آلة استيطانية مدعومة عسكريًا ومغطاة سياسيًا من قبل قوى دولية نافذة.
فضح النوايا الإسرائيلية
وفي المقابل، فإن تأكيد الخارجية الفلسطينية على هذه النقطة يندرج ضمن محاولة سياسية واعية لفضح النوايا الإسرائيلية أمام المجتمع الدولي، وتوجيه الأنظار إلى التناقض الفادح بين الخطاب الإسرائيلي الرسمي – الذي يدّعي الانفتاح على التسوية – وبين الوقائع التي يتم فرضها بشكل يومي على الأرض.
في المحصلة، فإن التصريح الصادر عن وزارة الخارجية لا يُعد مجرد موقف دبلوماسي، بل تحذير من تحول الزمن السياسي الضائع إلى غطاء لدفن حل الدولتين نهائيًا. وهو أيضًا دعوة للدول التي تعلن دعمها للشرعية الدولية، كي تنتقل من المواقف المبدئية إلى خطوات ملموسة توقف هذا التسارع الإسرائيلي نحو تقويض أي أفق للسلام.







