كشف تقرير أممي حديث أن اليمن يشهد تصاعداً مقلقاً في وتيرة العنف السياسي، إذ ارتفعت الحوادث بنسبة 8% خلال الربع الثاني من عام 2025 مقارنة بالربع الأول، وبنسبة 60% مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي. ويُحذر التقرير من أن هذا التصعيد يأتي في ظل أزمات اقتصادية خانقة، ما ينذر بعواقب إنسانية وخيمة.
التقرير الصادر عن برنامج الأغذية العالمي بالاستناد إلى “موقع بيانات النزاع المسلح”، يؤكد تضاعف عدد الوفيات الناتجة عن النزاع، لا سيما في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحوثيين، مثل الحديدة وتعز وصعدة وصنعاء، التي شهدت أيضاً أكبر قدر من التوترات.
وفي مشهد نادر، سجّل اليمن خلال أبريل 279 غارة جوية أميركية، وهو أعلى رقم شهري منذ 2017 في أي بلد بالشرق الأوسط، ما يعكس تصعيداً عسكرياً إقليمياً يعقّد المشهد المحلي.
تراجع تاريخي في واردات الوقود للمناطق الحوثية
سلّط التقرير الضوء على انخفاض غير مسبوق في واردات الوقود إلى الموانئ الخاضعة للحوثيين، حيث بلغت في يونيو أقل مستوى لها منذ بدء الهدنة الأممية في 2022، بهبوط بنسبة 47% عن المتوسط السنوي.
كما أظهرت البيانات تراجعاً بنسبة 18% في كميات الوقود المتراكمة مقارنة بالنصف الأول من العام الماضي، وسط أضرار مستمرة في البنية التحتية للموانئ، بفعل غارات أميركية وإسرائيلية، مما ضاعف تكاليف التأمين على الشحن إلى أكثر من الضعف.
نزوح داخلي يتسارع مع تعمق الأزمة الإنسانية
في مؤشر إضافي على هشاشة الوضع الإنساني، أفادت المنظمة الدولية للهجرة بارتفاع عدد النازحين داخلياً إلى أكثر من 6,300 نازح جديد خلال الربع الثاني من 2025، بزيادة بلغت 80% عن الربع الأول، و25% عن العام الماضي.
هذا التزايد يأتي في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً حاداً في المساعدات الدولية وانخفاضاً في الواردات الغذائية، ما يهدد الأمن الغذائي لما لا يقل عن 70% من السكان الذين يعتمدون على المساعدات الإنسانية للبقاء.
الاقتصاد في مناطق الحوثيين على حافة الانهيار
رسم تقرير برنامج الأغذية العالمي صورة قاتمة للاقتصاد في مناطق سيطرة الحوثيين، مشيراً إلى عوامل متعددة أبرزها تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية من قبل واشنطن، وشح العملات الأجنبية وتدمير البنية التحتية للموانئ وتدهور النظام المصرفي.
هذه الظروف دفعت الاقتصاد اليمني إلى الركود العميق، وتسببت في انخفاض سعر صرف الريال وارتفاع تكلفة المعيشة.
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن 74% من اليمنيين يعيشون حالياً تحت خط الفقر المدقع، بينما يمتلك اليمن احتياطياً غذائياً لا يغطي أكثر من شهرين فقط.
الحكومة الشرعية تحاول التصدي.. والريال يتعافى مؤقتاً
في مناطق الحكومة الشرعية، شهد الريال اليمني تحسناً ملموساً خلال الأسبوع الأخير، إذ ارتفعت قيمته من 2900 إلى 1600 ريال للدولار. هذه القفزة دفعت رئيس الوزراء سالم بن بريك إلى إصدار توجيهات صارمة لضبط الأسواق ومحاسبة المتلاعبين بالأسعار.
خلال زيارته لوزارة الصناعة والتجارة في عدن، شدّد بن بريك على ضرورة عكس تحسّن سعر الصرف على أسعار السلع الأساسية فوراً، داعياً لتشكيل لجان رقابة “حقيقية” وتنظيم حملات تفتيش بالتنسيق مع السلطات المحلية.
دعوات لتسعير عادل وتفعيل الرقابة المجتمعية
في إطار خطة شاملة لضبط السوق، دعا بن بريك إلى تفعيل خطوط ساخنة لاستقبال شكاوى المواطنين، ةتشكيل لجان مشتركة لتحديد تسعيرات عادلة وفقاً للتكاليف الواقعية، وإلزام التجار بتقديم فواتير شراء رسمية، ةفرض عقوبات رادعة على المخالفين.
كما شجّع على الرقابة الشعبية، عبر إشراك المواطنين في الإبلاغ عن أي تجاوزات، لتعزيز الشفافية والثقة بين الدولة والمجتمع، في وقت تشهد فيه البلاد اختلالاً خطيراً في المنظومة الاقتصادية.
أزمة متعددة الأبعاد
بين تصاعد العنف السياسي، وتراجع واردات الوقود، وتضاؤل الاحتياطيات الغذائية، وتهالك البنية التحتية، يقف اليمن على مفترق طرق حرج. ورغم تحركات الحكومة الشرعية، يظل الواقع الإنساني والاقتصادي في البلاد مرهوناً بإرادة سياسية دولية تضمن الاستقرار وتعيد الحياة لملايين اليائسين.






