في الوقت الذي يواصل فيه الاحتلال الإسرائيلي شن عدوانه المستمر على قطاع غزة والضفة الغربية، تتعاظم الهجمات الممنهجة ضد الصحافة الفلسطينية، ليس فقط بوصفها شاهدة على الأحداث، بل بوصفها هدفًا مباشرًا في ساحة حرب تُدار بعناية فائقة على مستوى الصورة والخبر والرواية. ومع توثيق 62 انتهاكًا ارتكبها الاحتلال ضد الحريات الإعلامية خلال شهر تموز وحده – وفق تقرير مركز “مدى” – يصبح واضحًا أن سياسة إسكات الإعلام جزء لا يتجزأ من استراتيجية الحرب الإسرائيلية.
تحريض علني على الصحفي
هذه الممارسات لم تكن مجرد تجاوزات ميدانية فردية، بل تندرج ضمن نهج ممنهج يستهدف تحييد الصوت الفلسطيني وتعتيم الحقيقة. فعمليات القتل المباشر التي طالت تسعة من الصحفيين في غزة خلال شهر تموز، وقصف منازل إعلاميين – منهم من استشهد تحت الأنقاض – تدل على أن الصحفي الفلسطيني لا يُقتل على هامش الحرب، بل في قلبها، باعتباره ناقلًا لما لا تريد إسرائيل أن يُرى أو يُعرف.
ما يُفاقم خطورة هذه الانتهاكات هو أنها لم تقتصر على القتل والاعتقال، بل شملت أيضًا منع التغطية والتحريض العلني على الصحفيين عبر منصات رسمية، كما حدث مع مراسل الجزيرة أنس الشريف، أو وصف صحفيين بـ”الإرهابيين” في الإعلام العبري، في محاولة متعمدة لتشويه سمعتهم والتحريض على تصفيتهم أو تجريدهم من حمايتهم المهنية. كما عمدت سلطات الاحتلال إلى احتجاز صحفيين أثناء تأدية واجبهم، واعتقالهم دون مسوغ قانوني، إلى جانب مصادرة معداتهم التقنية، كما حدث مع الصحفيين ناصر اللحام ومحمد الخطيب.
ازدواجية المعايير الدولية
يبدو أن استراتيجية إسرائيل تقوم على خنق الرواية الفلسطينية من المصدر؛ فشلّ حركة الإعلاميين ومنعهم من التغطية يُسهم في تغييب توثيق الانتهاكات، خصوصًا في ظل حرب اتُّهمت إسرائيل خلالها بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة. وبتدمير منازل الإعلاميين، وقتلهم مع عائلاتهم، تُبعث رسالة واضحة: “كل من يحاول نقل الصورة يُعتبر جزءًا من المعركة”، وهو ما يشكل جريمة مزدوجة – ضد الصحفي وضد المجتمع الدولي الذي يُحرم من معرفة ما يجري فعلاً.
وفي ظل هذه الانتهاكات، تبرز ازدواجية المعايير الدولية؛ إذ لا تحظى حياة الصحفي الفلسطيني بالحماية ذاتها التي يتمتع بها زملاؤه في مناطق صراع أخرى، ولا تُقابل تلك الجرائم بحزم من المنظمات الأممية المختصة، رغم كل القرارات التي تُعنى بحماية الصحافة زمن الحرب.
الإعلام في فلسطين لم يعد فقط مهنة محفوفة بالمخاطر، بل صار فعل مقاومة. والصحفي الفلسطيني بات شهيدًا محتملاً بمجرد أن يرفع الكاميرا أو يسجّل روايةً من أرض الحدث. ومن هنا، فإن ما يحدث ليس مجرد قمع للحريات الإعلامية، بل محاولة منهجية لإخفاء جرائم الاحتلال عن أعين العالم.






