يشهد الاقتصاد اليمني في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية حراكاً متسارعاً يحمل مؤشرات إيجابية لاستعادة التوازن النقدي وتخفيف المعاناة المعيشية للمواطنين. وبدعم سياسي رفيع المستوى وتنسيق دولي وإقليمي، تتحرك مؤسسات الدولة، وعلى رأسها «البنك المركزي»، في مسارات عدة، أبرزها ضبط السوق المصرفية وتنظيم الاستيراد وتكثيف الرقابة على الأسعار.
«البنك المركزي» يشدد قبضته على المضاربين
في خطوة وُصفت بالحاسمة، أطلق البنك المركزي اليمني حملة صارمة لملاحقة المتلاعبين بأسعار الصرف، بعد ارتفاع المضاربات إلى مستويات أربكت الأسواق.
وأصدر المحافظ أحمد غالب قرارات بإيقاف وسحب تراخيص عشرات شركات الصرافة، عقب تقارير رقابية كشفت مخالفات جسيمة وتلاعباً ممنهجاً بسوق العملات.
هذه الخطوات أسهمت في تحقيق تحسن ملحوظ في سعر صرف الريال اليمني الذي استعاد نحو 45% من قيمته أمام الدولار خلال أسبوع واحد فقط.
ويؤكد مسؤولون في البنك أن الحملة تهدف إلى إعادة الثقة بالنظام المالي وتأسيس بيئة نقدية أكثر شفافية، وسط توقعات بمواصلة تشديد الضوابط في الفترة المقبلة.
الرقابة تمتد للأسواق.. والحكومة تلاحق الغلاء
لم تقتصر الإجراءات على السوق المصرفية فقط، بل امتدت إلى رقابة صارمة على أسواق السلع والخدمات، فوجه رئيس الوزراء سالم بن بريك الوزارات والسلطات المحلية بتكثيف حملات التفتيش، لضمان انعكاس تحسن العملة على أسعار المواد الغذائية.
وأكد نائب وزير الصناعة والتجارة سالم الوالي أن القطاع الخاص شريك أساسي في هذه المرحلة، وأن على الموردين الاستجابة الفعلية لخفض الأسعار بما يتناسب مع تحسن قيمة الريال.
ضبط الاستيراد.. وتقنين استخدام العملة الصعبة
من أبرز محاور الحراك الاقتصادي، إطلاق اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الاستيراد، التي عقدت اجتماعها الثالث في مقر البنك المركزي بعدن، برئاسة المحافظ أحمد غالب.
اللجنة أقرّت لوائح عملها ودليل الإجراءات التنفيذي، وبدأت في استقبال طلبات الشركات لتنظيم تمويل الاستيراد حسب آلية جديدة، مع إعداد قائمة بالسلع غير الضرورية التي سيتم تقييد استيرادها.
تهدف هذه الخطوة لتقليص الضغط على العملة الصعبة وتوجيهها للسلع الحيوية فقط، خصوصاً المواد الغذائية والدوائية، وسط إشارات من بعض الشركات إلى بدء تخفيض تدريجي للأسعار.
تحذيرات من هشاشة التعافي
رغم هذه المؤشرات الإيجابية، يرى محللون أن استقرار العملة ما يزال هشاً، ما لم يُدعَّم بإصلاحات أعمق.
الباحث الاقتصادي عبد الحميد المساجدي شدد على أن أي تحسن دون تعزيز الاحتياطات من النقد الأجنبي أو استئناف تصدير النفط قد لا يصمد طويلاً.
ويؤكد أن التحول الحقيقي يتطلب «استثمارات داخلية وخارجية، وهيكلة مؤسسات الدولة الاقتصادية، وليس فقط قرارات مرحلية».
دعم سياسي أميركي للإصلاحات
من جانبه، يواصل مجلس القيادة الرئاسي إسناده لهذا الحراك، حيث استقبل الرئيس رشاد العليمي القائم بأعمال السفارة الأميركية في اليمن، وبحثا سبل دعم الإصلاحات.
العليمي عبّر عن تقديره للولايات المتحدة لدعمها للحكومة، مؤكداً أن الإصلاحات الجارية بدأت تنعكس إيجاباً على السوق.
رغم التحركات الطموحة للحكومة اليمنية، تبقى فعالية هذه الإجراءات مرهونة بقدرتها على الاستمرار، وتوافر دعم دولي كافٍ، إلى جانب قدرة المؤسسات المحلية على تنفيذ الإصلاحات على أرض الواقع، وليس فقط على الورق.
وينتظر المواطن اليمني أن يرى فارقاً حقيقياً في قدرته الشرائية، ومستوى الأسعار، وثقته في العملة الوطنية. فهل تواصل الحكومة زخمها نحو تعافٍ مستدام، أم أن التحديات ستجهض هذه الفرصة؟







