أثار قرار الحكومة الإسرائيلية بالإجماع إقالة المدعية العامة غالي بهاراف ميارا أزمة جديدة بين السلطتين التنفيذية والقضائية في إسرائيل، في لحظة سياسية مشحونة تشهد تصاعدًا في التوترات الداخلية والخارجية. قرار الإقالة الذي جاء بقيادة وزير العدل ياريف ليفين، وبدعم مباشر من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لم يكن مفاجئًا بقدر ما كان متوقعًا ضمن سياق صراع مستمر على استقلالية الجهاز القضائي، لكنه في الوقت نفسه عمّق من الأزمة المؤسسية التي تعاني منها الدولة العبرية، وطرح تساؤلات جدية حول مآلات توازن القوى داخل النظام السياسي الإسرائيلي.
تحدي السلطة التنفيذية
غالي بهاراف ميارا لم تكن مجرد موظفة قضائية عليا، بل كانت عقبة قانونية أمام عدد من تحركات نتنياهو، أبرزها محاولته المثيرة للجدل إقالة رئيس جهاز الأمن الداخلي (الشاباك) رونين بار، في مايو الماضي، وهي خطوة وصفتها المدعية العامة آنذاك بأنها تمثل “تنازعًا للمصالح” في ظل وضع نتنياهو القانوني المعقد، حيث يواجه بالفعل تهم فساد ومحاكمات جارية. رفض ميارا لهذه الخطوة اعتُبر من قبل الحكومة تحديًا مباشرًا لسلطتها التنفيذية، وجزءًا من ما يعتبره اليمين الإسرائيلي “هيمنة غير مبررة” للسلطة القضائية على العملية السياسية.
رد المحكمة العليا السريع بتعليق تنفيذ قرار الإقالة يعكس خطورة هذا التصعيد. فرغم محاولة الحكومة فرض إرادتها التنفيذية، جاءت استجابة القضاء لتعيد ضبط المعادلة، وتمنع تعيين بديل لميارا حتى يتم البت في الطعون المقدمة خلال 30 يومًا. هذا الإجراء لا يمنع فقط المضي الفوري في قرار الإقالة، بل يعيد تأكيد دور القضاء كخط دفاع أخير ضد ما يُنظر إليه كاستغلال سياسي لمؤسسات الدولة.
الإصلاح القضائي
يُنظر إلى هذا التطور من قبل المعارضة، لا سيما حزب “يش عتيد”، على أنه جزء من محاولة أوسع لتحييد الأصوات المستقلة داخل مؤسسات الدولة، وخصوصًا تلك التي تبدي مواقف قانونية رافضة للتوجهات الحكومية. وتأتي الإقالة في سياق سلسلة من الإجراءات التي يسعى من خلالها نتنياهو وحلفاؤه إلى إعادة تشكيل العلاقة بين السلطات الثلاث، عبر تقييد دور القضاء، وتقويض مكانة المستشارين القانونيين الذين لا يدينون بالولاء الكامل للحكومة.
سياسيًا، يحمل قرار الإقالة أبعادًا تتجاوز الصراع بين شخصين أو مؤسستين، فهو يعكس توجّهًا في الحكومة نحو تقليص استقلالية الجهاز القضائي، تحت عنوان “الإصلاح القضائي”، الذي كان مثار احتجاجات ضخمة في العام الماضي. واليوم، يعود هذا الخطّ إلى الواجهة من جديد، لكن في ظل ظرف أكثر تعقيدًا، إذ تتزامن هذه الأزمة مع حرب مشتعلة في غزة، وضغوط متزايدة على حكومة نتنياهو داخليًا وخارجيًا.
تغيرات هيكلية
قرار الإقالة، وإن تم تجميده، قد يترك آثارًا طويلة الأمد على ثقة الجمهور الإسرائيلي بمؤسسات الدولة، وعلى مستقبل العلاقة بين الحكومة والقضاء، كما أنه يثير قلقًا لدى شركاء إسرائيل الدوليين، خاصة أولئك الذين يراقبون مدى التزام تل أبيب بمبادئ الديمقراطية وحكم القانون، في ظل التحديات السياسية والأمنية المتسارعة.
من الواضح أن المعركة حول إقالة غالي بهاراف ميارا ليست مجرد جدل قانوني، بل هي انعكاس مباشر لتغيرات هيكلية تسعى حكومة نتنياهو إلى ترسيخها، عبر تقليص مساحة الاستقلال المؤسسي، وفرض رؤيتها السياسية على النظام القضائي، حتى وإن أدى ذلك إلى مزيد من الانقسام الداخلي وتهديد التوازن بين السلطات.






